فهرس الكتاب
وفي التفسير الوسيط (1) :
قال الإِمام الرازي:"اعلم أنه - سبحانه - لما بالغ في تقرير الدلائل والبينات وفى الجواب عن الشبه والسؤالات ، شرع بعد ذلك في بيان بعض قصص الأنبياء - عليهم السلام - لوجوه:"
أحدها: أن الكلام إذا طال في تقرير نوع من أنواع العلوم ، فربما حصل نوع من أنواع الملالة ، فإذا انتقل الإِنسان من ذلك الفن من العلم إلى فن آخر ، انشرح صدره ، ووجد في نفسه رغبة جديدة .
وثانيها: ليكون للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه ، أسوة بمن سلف من الأنبياء ، فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع أن معاملة الكفار لأنبيائهم سيئة . . خف ذلك على قلبه ، لأن المصيبة إذا عمت خفت .
وثالثها: أن الكفار إذا سمعوا هذه القصص ، وعلموا أن العاقبة للمتقين كان ذلك سببا في انكسار قلوبهم ، ووقوع الخوف والوجل في نفوسهم . وحينئذ يقلوعون عن أنواع الإِيذاء والسفاهة . . ."."
ونوح - عليه السلام -: واحد من أولى العزم من الرسل ، وينتهي نسبة إلى شيث بن آدم - عليه السلام - وقد ذكر في القرآن في ثلاثة وأربعين موضعا .
وكان قومه يعبدون الأصنام ، فأرسل الله إليهم نوحًا ليدلهم على طريق الرشاد .
وقد تكررت قصته مع قومه في سورة الأعراف ، وهود ، والمؤمنون ، ونوح . . بصورة أكثر تفضيلًا .
أما هنا في سورة يونس فقد جاءت بصورة مجملة ، لأن الغرض منها هنا ، إبراز جانب التحدي من نوع لقومه ، بعد أن مكث فيهم زمانا طويلًا ، يدعوهم إلى عبادة الله وحده ، وترك عبادة غيره .
والمعنى: واتل - يا محمد - على مسامع هؤلاء المشركين الذين مردوا على افتراء الكذب ، نبأ نوح - عليه السلام - مع قومه المغترين بأموالهم وكثرتهم ليتدبروا ما في هذا النبأ من عظات وعبر . وليعلموا أن سنة الله - تعالى - قد اقتضت أن يجعل العاقبة للمتقين .
والمقصود من هذه التلاوة ، دعوة مشركي مكة وأمثالهم ، إلى التدبر فيما جرى للظالمين من قبلهم ، لعلهم بسبب هذا التدبر والتأمل يثوبون إلى رشدهم ويتبعون الدين الحق الذى جاءهم به نبيهم محمد - صلى الله عليه وسلم - .
وقوله: { ياقوم إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ الله فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ . . } بيان لما قاله لهم بعد أن مكث فيهم زمنا طويلا ، ، وسمع منهم ما سمع من استهزاء بدعوته ، ، وتطاول على أتباعه .
أى: قال نوح لقومه بعد أن دعاهم ليلا ونهارا: يا قوم إن كان { كَبُرَ عَلَيْكُمْ } .
أى: شق وعظم عليكم { مَّقَامِي } فيكم ووجودي بين أظهركم عمرا طويلا { وَتَذْكِيرِي } إياكم بآيات الله الدالة على وحدانيته وقدرته ، ، والتي تستلزم منكم إخلاص العبادة له والشكر لنعمه .
إن كان كبر عليكم ذلك فعلى الله وحده توكلت ، وإليه وحده فوضت أمري ولن يصرفني عن الاستمرار في تبليغ ما أمرنى بتبليغه وعد أو وعيد منكم .
وخاطبهم - عليه السلام - بقوله: { ياقوم } استمالة لقلوبهم ، وإشعار لهم بأنهم أهله وأقرباؤه الذين يحب لهم الخير ، ويكره لهم الشر .
وجملة { فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ } جواب الشرط . وقيل جواب الشرط محذوف والتقدير: إن كان كبر عليكم ذلك فافعلوا ما شئتم فإني على الله وحده توكلت في تبليغ دعوته لكم .
وقوله: { فأجمعوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ } معطول على ما قبله .
والفعل { أجمعوا } بقطع الهمزة مأخذو من أجمعت على الأمر إذا عزمت عليه عزما مؤكدا ووطنت نفسك على المضي فيه بدون تردد أو تقاعس .
والمراد بالأمر هنا: المكر والكيد والعداوة وما يشبه بذلك .
والمراد بشركائهم: أصنامهم التي عبدوها من دون الله وظنوا فيها النفع والضرر والتمسوا فيها العون والنصرة .
والمعنى: أن نوحا - عليه السلام - قد قال قولمه بصراحة ووضوح: يا قوم إن كان قد شق عليكم مقامي فيكم ، وتذكيري بآيات الله الدالة على وحدانيته فأجمعوا ما تريدون جمعه من مكر وكيد بي ، ثم ادعوا شركاءهم ليساعدوكم في ذلك فإنى ماض في طريقى الذى أمرنى الله به ، بدون مبالاة بمكركم وبدون اهتمام بكيدكم .
قال الآلوسى:"وقوله { وَشُرَكَآءَكُمْ } منصوب على أنه مفعول معه لأن الشركاء عازمون لا معزوم عليهم . وقيل إنه منصوب بالعطف على قوله { أَمْرَكُمْ } بحذف المضاف أي فأجمعوا أمركم وأمر شركائكم ."
وقرأ نافع: فاجمعوا بوصل الهمزة وفتح الميم من جع وعطف الشركاء على الأمر في هذه القراءة ظاهر بناء على أنه يقال: جمعت شركائي ، كما يقال جمعت أمرى . . .""
وقوله: { ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً } معطوف على ما قبله ، ومؤكد لمضمونه .
وكلمة { غُمَّةً } بمعنى الستر والخفاء . يقال: غم على فلان الأمر أى: خفى عليه واستتر .
ومنه الحديث الشريف:"صوموا لرؤيته - أى الهلال - وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما"أى فإن استتر وخفى عليكم الهلال وحال دون رؤيتكم له حائل من غيم أو ضباب فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما .
(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 2138)