وإذ قال إبراهيم:رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات - من آمن منهم بالله واليوم الآخر . قال:ومن كفر فأمتعه قليلا ثم اضطره إلى عذاب النار وبئس المصير . . [ البقرة:124 - 126 ]
وضرب لها المثل فيما يكون بين الزوج وزوجه , وذلك فيما كان بين نوح وامرأته , ولوط وامرأته . وفي الجانب الآخر ما كان بين امرأة فرعون وفرعون:
ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط , كانتا تحت عبدين من عبادنا الصالحين , فخانتاهما , فلم يغنيا عنهما من الله شيئا , وقيل:ادخلا النار مع الداخلين . . .
(وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون , إذ قالت:رب ابن لي عندك بيتا في الجنة , ونجني من فرعون وعمله , ونجني من القوم الظالمين) . . . [ التحريم:10 - 11 ]
وضرب لها المثل فيما يكون بين المؤمنين وأهلهم وقومهم ووطنهم وأرضهم وديارهم وأموالهم , ومصالحهم وماضيهم ومصيرهم . وذلك فيما كان بين إبراهيم والمؤمنين به مع قومهم . وما كان من الفتية أصحاب الكهف مع أهلهم وقومهم ودورهم وأرضهم . . .
(قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه , إذ قالوا لقومهم:إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله , كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده . . .) . . [ الممتحنة:4 ] .
أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ? إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا:ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا , فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا . ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا . نحن نقص عليك نبأهم بالحق , إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى , وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا:ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذن شططا . هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة . لولا يأتون عليهم بسلطان بين ! فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ? وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون - إلا الله - فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته , ويهيى ء لكم من أمركم مرفقا . . . [ الكهف:16 - 9 ] .
وبهذه الأمثلة التي ضربها الله للأمة المسلمة من سيرة الرهط الكريم من الأنبياء والمؤمنين . الذين سبقوها في موكب الإيمان الضارب في شعاب الزمان , وضحت معالم الطريق لهذه الأمة ; وقام هذا المعلم البارز أمامها عن حقيقة الوشيجة التي يجب أن يقوم عليها المجتمع المسلم , ولا يقوم على سواها . وطالبها ربها بالاستقامة على الطريق في حسم ووضوح يتمثلان في مواقف كثيرة , وفي توجيهات من القرآن كثيرة . . هذه نماذج منها . .
(لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله - ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم - أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه , ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها , رضي الله عنهم ورضوا عنه , أولئك حزب الله , ألا إن حزب الله هم المفلحون) . . . [ المجادلة:22 ]
(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة , وقد كفروا بما جاءكم من الحق , يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم , إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي , تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم , ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل) . . . [ الممتحنة:1 ]
لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم , يوم القيامة يفصل بينكم , والله بما تعملون بصير . قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه . . . الخ . . [ الممتحنة:3 - 4 ]
(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان , ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون) . . . . [ التوبة:23 ] .
(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء , بعضهم أولياء بعض , ومن يتولهم منكم فإنه منهم , إن الله لا يهدي القوم الظالمين) . . . [ المائدة:51 ] .
وهكذا تقررت تلك القاعدة الأصيلة الحاسمة في علاقات المجتمع الإسلامي ; وفي طبيعة بنائه وتكوينه العضوي الذي يتميز به عن سائر المجتمعات الجاهلية قديما وحديثا إلى آخر الزمان . ولم يعد هناك مجال للجمع بين"الإسلام"وبين إقامة المجتمع على أية قاعدة أخرى غير القاعدة التي اختارها الله للأمة المختارة . والذين يدعون صفة الإسلام , ثم يقيمون مجتمعاتهم على قاعدة أو أكثر من تلك العلاقات الجاهلية التي أحل الإسلام محلها قاعدة العقيدة , إما أنهم لا يعرفون الإسلام ; وإما أنهم يرفضونه . والإسلام في كلتا الحالتين لا يعترف لهم بتلك الصفة التي يدعونها لأنفسهم وهم لا يطبقونها , بل يختارون غيرها من مقومات الجاهلية فعلا !
وندع هذه القاعدة - وقد صارت واضحة تماما - لننظر في جوانب من حكمة الله في إقامة المجتمع الإسلامي على هذه القاعدة . .