وكان هود من عاد . فهو أخوهم . واحد منهم , تجمعه - كانت - آصرة القربى العامة بين أفراد القبيلة الواحدة . وتبرز هذه الآصرة هنا في السياق , لأن من شأنها أن تقوم الثقة والتعاطف والتناصح بين الأخ وإخوته , وليبدو موقف القوم من أخيهم ونبيهم شاذا ومستقبحا ! ثم لتقوم المفاصلة في النهاية بين القوم وأخيهم على أساس افتراق العقيدة . ويبرز بذلك معنى انقطاع الوشائج كلها حين تنقطع وشيجة العقيدة . لتتفرد هذه الوشيجة وتبرز في علاقات المجتمع الإسلامي , ثم لكي تتبين طبيعة هذا الدين وخطه الحركي . . فالدعوة به تبدأ والرسول وقومه من أمة واحدة تجمع بينه وبينها أواصر القربى والدم والنسب والعشيرة والأرض . . . ثم تنتهي بالافتراق وتكوين أمتين مختلفتين من القوم الواحد . . أمة مسلمة وأمة مشركة . . وبينهما فرقة ومفاصلة . . وعلى أساس هذه المفاصلة يتم وعد الله بنصر المؤمنين وإهلاك المشركين . ولا يجيى ء وعد الله بهذا ولا يتحقق إلا بعد أن تتم المفاصلة , وتتم المفارقة , وتتميز الصفوف , وينخلع النبي والمؤمنون معه من قومهم , ومن سابق روابطهم ووشائجهم معهم , ويخلعوا ولاءهم لقومهم ولقيادتهم السابقة , ويعطوا ولاءهم كله لله ربهم ولقيادتهم المسلمة التي دعتهم إلى الله وإلى الدينونة له وحده وخلع الدينونة للعباد . . وعندئذ فقط - لا قبله - يتنزل عليهم نصر الله . .
(وإلى عاد أخاهم هودا) . .
أرسلناه إليهم كما أرسلنا نوحا إلى قومه في القصة السابقة .
(قال:يا قوم) . .
بهذا التودد , والتذكير بالأواصر التي تجمعهم , لعل ذلك يستثير مشاعرهم ويحقق اطمئنانهم إليه فيما يقول . فالرائد لا يكذب أهله , والناصح لا يغش قومه .
(قال:يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) . .
القولة الواحدة التي جاء بها كل رسول وكانوا قد انحرفوا - كما أسلفنا - عن عبادة الله الواحد التي هبط بها المؤمنون مع نوح من السفينة . ولعل أول خطوة في هذا الانحراف كانت هي تعظيم ذكرى الفئة المؤمنة القليلة التي حملت في السفينة مع نوح ! ثم تطور هذا التعظيم جيلا بعد جيل فإذا أرواحهم المقدسة تتمثل في أشجار وأحجار نافعة ; ثم تتطور هذه الأشياء فإذا هي معبودات , وإذا وراءها كهنة وسدنة يعبدون الناس للعباد منهم باسم هذه المعبودات المدعاة - في صورة من صور الجاهلية الكثيرة . ذلك أن الانحراف خطوة واحدة عن نهج التوحيد المطلق . الذي لا يتجه بشعور التقديس لغير الله وحده ولا يدين بالعبودية إلا الله وحده . . الانحراف خطوة واحدة لا بد أن تتبعه مع الزمن خطوات وانحرافات لا يعلم مداها إلا الله .
على أية حال لقد كان قوم هود مشركين لا يدينون لله وحده بالعبودية , فإذا هم يدعوهم تلك الدعوة التي جاء بها كل رسول:
(يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) . . (إن أنتم إلا مفترون) . .
مفترون فيما تعبدونه من دون الله , وفيما تدعونه من شركاء لله .
ويبادر هود ليوضح لقومه أنها دعوة خالصة ونصيحة ممحضة , فليس له من ورائها هدف . وما يطلب على النصح والهداية أجرا . إنما أجره على الله الذي خلقه فهو به كفيل:
(يا قوم لا أسألكم عليه أجرا . إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون ?) .
مما يشعر أن قوله: (لا أسألكم عليه أجرا) كان بناء على اتهام له أو تلميح بأنه يبتغي أجرا أو كسب مال من وراء الدعوة التي يدعوها . وكان التعقيب: (أفلا تعقلون ?) للتعجيب من أمرهم وهم يتصورون أن رسولا من عند الله يطلب رزقا من البشر , والله الذي أرسله هو الرزاق الذي يقوت هؤلاء الفقراء !
ثم يوجههم إلى الاستغفار والتوبة . ويكرر السياق التعبير ذاته الذي ورد في أول السورة على لسان خاتم الأنبياء , ويعدهم هود ويحذرهم ما وعدهم محمد وحذرهم بعد ذلك بآلاف السنين:
(ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه , يرسل السماء عليكم مدرارا , ويزدكم قوة إلى قوتكم . ولا تتولوا مجرمين) . .
استغفروا ربكم مما أنتم فيه , وتوبوا إليه فابدأوا طريقا جديدا يحقق النية ويترجمها إلى عمل يصدق النية . .
(يرسل السماء عليكم مدرارا) . .
وكانوا في حاجة إلى المطر يسقون به زروعهم ودوابهم في الصحراء , ويحتفظون به بالخصب الناشئ من هطول الأمطار في تلك البقاع .
(ويزدكم قوة إلى قوتكم) . .
هذه القوة التي عرفتم بها . .
(ولا تتولوا مجرمين) . .
مرتكبين لجريمة التولي والتكذيب .
وننظر في هذا الوعد . وهو يتعلق بإدرار المطر ومضاعفة القوة . وهي أمور تجري فيها سنة الله وفق قوانين ثابتة في نظام هذا الوجود , من صنع الله ومشيئته بطبيعة الحال . فما علاقة الاستغفار بها وما علاقة التوبة ?