وهكذا يتبين أن القضية بين هود وعاد كانت قضية ربوبية الله وحده لهم والدينونة لله وحده من دون العباد . . كانت هي قضية الحاكمية والاتباع . . كانت هي قضية:من الرب الذي يدينون له ويتبعون أمره ? يتجلى هذا في قول الله تعالى:
(وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله , واتبعوا أمر كل جبار عنيد) . .
فهي المعصية لأمر الرسل والاتباع لأمر الجبارين ! والإسلام هو طاعة أمر الرسل - لأنه أمر الله - ومعصية أمر الجبارين . وهذا هو مفرق الطريق بين الجاهلية والإسلام وبين الكفر والإيمان . . في كل رسالة وعلى يد كل رسول .
وهكذا يتبين أن دعوة التوحيد تصر أول ما تصر على التحرر من الدينونة لغير الله ; والتمرد على سلطان الأرباب الطغاة ; وتعد إلغاء الشخصية والتنازل عن الحرية , واتباع الجبارين المتكبرين جريمة شرك وكفر يستحق عليها الخانعون الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة . . لقد خلق الله الناس ليكونوا أحرارا لا يدينون بالعبودية لأحد من خلقه , ولا ينزلون عن حريتهم هذه لطاغية ولا رئيس ولا زعيم . فهذا مناط تكريمهم . فإن لم يصونوه فلا كرامة لهم عند الله ولا نجاة . وما يمكن لجماعة من البشر أن تدعي الكرامة , وتدعي الإنسانية , وهي تدين لغير الله من عباده . والذين يقبلون الدينونة لربوبية العبيد وحاكميتهم ليسوا بمعذورين أن يكونوا على أمرهم مغلوبين . فهم كثرة والمتجبرون قلة . ولو أرادوا التحرر لضحوا في سبيله بعض ما يضحونه مرغمين للأرباب المتسلطين من ضرائب الذل في النفس والعرض والمال .
لقد هلكت عاد لأنهم اتبعوا أمر كل جبار عنيد . . هلكوا مشيعين باللعنة في الدنيا وفي الآخرة:
(وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة) . .
ثم لا يتركهم قبل أن يسجل عليهم حالهم وسبب ما أصابهم في إعلان عام وتنبيه عال:
(ألا إن عادا كفروا ربهم) . .
ثم يدعو عليهم بالطرد والبعد البعيد:
(ألا بعدا لعاد قوم هود) . .
بهذا التحديد والإيضاح والتوكيد . كأنما يحدد عنوانهم للعنة المرسلة عليهم حتى تقصدهم قصدا:
.. (ألا بعدا لعاد قوم هود) !!!
تعقيب على قصة هود
ونقف وقفات قصيرة أمام ما تلهمه قصة هود مع قومه في سياق هذه السورة , قبل أن ننتقل منها إلى قصة صالح . ذلك أن استعراض خط سير الدعوة الإسلامية على هذا النحو إنما يجيء في القرآن الكريم لرسم معالم الطريق في خط الحركة بهذه العقيدة على مدار القرون . . ليس فقط في ماضيها التاريخي , ولكن في مستقبلها إلى آخر الزمان . وليس فقط للجماعة المسلمة الأولى التي تلقت هذا القرآن أول مرة . وتحركت به في وجه الجاهلية يومذاك ; ولكن كذلك لكل جماعة مسلمة تواجه به الجاهلية إلى آخر الزمان . . وهذا ما يجعل هذا القرآن كتاب الدعوة الإسلامية الخالد ; ودليلها في الحركة في كل حين .
ولقد أشرنا إشارات سريعة إلى اللمسات القرآنية التي سنعيد الحديث عنها كلها تقريبا . ولكنها مرت في مجال تفسير النصوص القرآنية مرورا عابرا لمتابعة السياق . وهي تحتاج إلى وقفات أمامها أطول في حدود الإجمال:
نقف أمام الدعوة الواحدة الخالدة على لسان كل رسول وفي كل رسالة . . دعوة توحيد العبادة والعبودية لله , المتمثلة فيما يحكيه القرآن الكريم عن كل رسول: (قال:يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) . . ولقد كنا دائما نفسر"العبادة"لله وحده بأنها"الدينونة الشاملة"لله وحده . في كل شأن من شؤون الدنيا والآخرة . ذلك أن هذا هو المدلول الذي تعطيه اللفظة في أصلها اللغوي . . فإن"عبد"معناها:دان وخضع وذلل . وطريق معبد طريق مذلل ممهد . وعبده جعله عبدا أي خاضعا مذللا . . ولم يكن العربي الذي خوطب بهذا القرآن أول مرة يحصر مدلول هذا اللفظ وهو يؤمر به في مجرد أداء الشعائر التعبدية . بل إنه يوم خوطب به أول مرة في مكة لم تكن قد فرضت بعد شعائر تعبدية ! إنما كان يفهم منه عندما يخاطب به أن المطلوب منه هو الدينونة لله وحده في أمره كله ; وخلع الدينونة لغير الله من عنقه في كل أمره . . ولقد فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم"العبادة"نصا بأنها هي"الاتباع"وليست هي الشعائر التعبدية . وهو يقول لعدي ابن حاتم عن اليهود والنصارى واتخاذهم الأحبار والرهبان أربابا:"بلى . إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال . فاتبعوهم . فذلك عبادتهم إياهم". . إنما أطلقت لفظة"العبادة"على"الشعائر التعبدية"باعتبارها صورة من صور الدينونة لله في شأن من الشؤون . . صورة لا تستغرق مدلول"العبادة"بل إنها تجيء بالتبعية لا بالأصالة ! فلما بهت مدلول"الدين"ومدلول"العبادة"في نفوس الناس صاروا يفهمون أن عبادة غير الله التي يخرج بها الناس من الإسلام إلى الجاهلية هي فقط تقديم الشعائر التعبدية لغير الله , كتقديمها للأصنام والأوثان مثلا ! وأنه متى تجنب الإنسان هذه الصورة فقد بعد عن الشرك والجاهلية وأصبح"مسلما"لا يجوز تكفيره ! وتمتع بكل ما يتمتع به المسلم في المجتمع المسلم من صيانة دمه وعرضه وماله . . . إلى آخر حقوق المسلم على المسلم !