فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 1236

المسألة الأولى: قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم بأحد أمر الرماة أن يلزموا أصل الجبل ، وأن لا ينتقلوا عن ذلك سواء كان الأمر لهم أو عليهم ، فلما وقفوا وحملوا على الكفار وهزموهم وقتل علي طلحة بن أبي طلحة صاحب لوائهم ، والزبير والمقداد شدا على المشركين ثم حمل الرسول مع أصحابه فهزموا أبا سفيان ، ثم إن بعض القوم لما أن رأوا انهزام الكفار بادر قوم من الرماة إلى الغنيمة وكان خالد بن الوليد صاحب ميمنة الكفار ، فلما رأى تفرق الرماة حمل على المسلمين فهزمهم وفرق جمعهم وكثر القتل في المسلمين ، ورمى عبدالله بن قميئة الحارثي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر رباعيته وشج وجهه ، وأقبل يريد قتله ، فذب عنه مصعب بن عمير وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد حتى قتله ابن قميئة ، فظن أنه قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال قد قتلت محمدا ، وصرخ صارخ ألا إنَّ محمدا قد قتل ، وكان الصارخ الشيطان ، ففشا في الناس خبر قتله ، فهنالك قال بعض المسلمين: ليت عبدالله بن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان . وقال قوم من المنافقين: لو كان نبيا لما قتل ، ارجعوا الى إخوانكم والى دينكم ، فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: يا قوم ان كان قد قتل محمد فإن رب محمد حي لا يموت وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه ، ثم قال: اللهم اني أعتذر اليك مما يقول هؤلاء ، ثم سل سيفه فقاتل حتى قتل رحمه الله تعالى ، ومر بعض المهاجرين بأنصاري يتشحط في دمه ، فقال: يا فلان أشعرت أن محمدا قد قتل ، فقال: ان كان قد قتل فقد بلغ ، قاتلوا على دينكم ، ولما شج ذلك الكافر وجه الرسول صلى الله عليه وسلم وكسر رباعيته ، احتمله طلحة بن عبيدالله ، ودافع عنه أبو بكر وعلي رضي الله عنهم ونفر آخرون معهم ، ثم ان الرسول صلى الله عليه وسلم جعل ينادي ويقول: الى عباد الله حتى انحازت اليه طائفة من أصحابه فلامهم على هزيمتهم ، فقالوا يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، أتانا خبر قتلك فاستولى الرعب على قلوبنا فولينا مدبرين ، ومعنى الآية { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل } فسيخلو كما خلوا ، وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم ، فعليكم أن تتمسكوا بدينه بعد خلوه ، لأن الغرض من بعثة الرسل تبليغ الرسالة وإلزام الحجة ، لا وجودهم بين أظهر قومهم أبدا .

المسألة الثانية: قال أبو علي: الرسول جاء على ضربين: أحدهما: يراد به المرسل ، والآخر الرسالة ، وههنا المراد به المرسل بدليل قوله: { إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين } [ البقرة: 252 ] وقوله: { ياأيها الرسول بَلّغْ } [ المائدة: 67 ] وفعول قد يراد به المفعول ، كالركوب والحلوب لما يركب ويحلب والرسول بمعنى الرسالة كقوله:

لقد كذب الواشون ما فهت عندهم ... بسر ولا أرسلتهم برسول

أي برسالة ، قال: ومن هذا قوله تعالى: { إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ } [ طه: 47 ] ونذكره في موضعه ان شاء الله تعالى ثم قال: { أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: حرف الاستفهام دخل على الشرط وهو في الحقيقة داخل على الجزاء ، والمعنى أتنقلبون على أعقابكم ان مات محمد أو قتل ، ونظيره قوله: هل زيد قائم ، فأنت إنما تستخبر عن قيامه ، إلا أنك أدخلت هل على الاسم والله أعلم .

المسألة الثانية: أنه تعالى بين في آيات كثيرة انه عليه السلام لا يقتل قال: { إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ } [ الزمر: 30 ] وقال: { والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس } [ المائدة: 67 ] وقال: { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ } [ الصف: 9 ] فليس لقائل أن يقول: لما علم أنه لا يقتل فلم قال { أو قتل } ؟ فان الجواب عنه من وجوه: الأول: أن صدق القضية الشرطية لا يقتضي صدق جزأيها ، فانك تقول: ان كانت الخمسة زوجا كانت منقسمة بمتساويين ، فالشرطية صادقة وجزآها كاذبان ، وقال تعالى: { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا } [ الأنبياء: 22 ] فهذا حق مع أنه ليس فيهما آلهة ، وليس فيهما فساد ، فكذا ههنا . والثاني: ان هذا ورد على سبيل الالزام ، فإن موسى عليه السلام مات ولم ترجع أمته عن ذلك ، والنصارى زعموا أن عيسى عليه السلام قتل وهم لا يرجعون عن دينه ، فكذا ههنا ، والثالث: ان الموت لا يوجب رجوع الأمة عن دينه ، فكذا القتل وجب أن لا يوجب الرجوع عن دينه ، لأنه فارق بين الأمرين ، فلما رجع الى هذا المعنى كان المقصود منه الرد على أولئك الذين شكوا في صحة الدين وهموا بالارتداد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت