ولا أظن أن مثلي وفي هذه العجالة يمكن أن يأتي بمنهج الأنبياء في الدعوة إلى الله عز وجل، فنتحدث عن هذا المنهج بفروعه ومعالمه لكنها ومضات وخواطر أملاها الواقع الذي نعيشه.
ثمت ثوابت اتفق عليها أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم، وهي قضايا ليست بجديدة وكيف تكون جديدة وهي قضايا المنهج التي يجب أن تكون معالم واضحة لا يجهلها أحد، معالم لا يزيغ عنها إلا من ضل وانحرف، وكيف تكون جديدة وهي حديث عن منهج الأنبياء الذي نقرأه في كتاب الله جل وعلا، فكلنا يقرأ القرآن صباح مساء ويردد آيات الله"عز وجل"التي فيها الحديث عن قصص الأنبياء وعن منهج الأنبياء وعن دعوتهم.
ومن ثم فالحديث مع أمثالكم عن منهج الأنبياء لن يكون حديثًا جديدًا، إنما هو تذكير بحقائق نعرفها وندركها جميعًا، وهو إعادة لأفراد المسائل والمواقف التي نقفها في الدعوة إلى الله عز وجل إلى أصولها وجذورها.
لماذا الحديث عن منهج الأنبياء؟
يدعونا للحديث عن هذا الموضوع أمور عدة:
أولها: أن الحديث كثير عن المنهج، فيتحدث الكثير اليوم عن التغيير ومناهجه، وتتنوع الأطروحات الإسلامية ونتنافس في طرح برامج التغيير وبرامج الإصلاح، وتنوع الاجتهادات واختلاف المواقف أمر لا غبار عليه بل لا يمكن سواه، لكن المرفوض أن تتحول الجزئيات والاجتهادات إلى ثوابت، وأن تتحول الاقتناعات الشخصية إلى قضايا منهجية عند البعض يوالى ويعادي من أجلها، وينطلق من اقتناعات شخصية أو اجتهادات ليرسم من خلالها منهجًا يرفض الدعوة إلا من خلاله، ويسفه الآراء التي تنطلق من سواه، ويوالي ويعادي عليه، ويستنبط من خلال ذلك معايير لتقويم الناس والبرامج الدعوية.
إن قضية المنهج تهتم بالثوابت والإطار العام، ومع تأكيدنا لضرورة انضباط المسائل الاجتهادية بضوابط الشرع، ورفضنا الشديد للقسمة الضيزى لشرع الله عز وجل إلى لب وقشور - مع رفضنا لذلك كله - فإن الحكم الشرعي قضية لا تقبل النقاش، والنص الشرعي لا يجوز المساومة عليه، لكن مع كل ذلك لا يسوغ أن تتحول المسائل الاجتهادية إلى قضايا يؤثم فيها الناس ويخطئون ويضللون، أو أن تدعى الأمة أن تجتمع على رأي فلان أو اجتهاد علان، ولا يجوز أن تتحول هذه القضايا إلى معيار للولاء والبراء وتقويم الناس ووزنهم.
إن بعض الناس يرسم ثوابت ومنطلقات يمليها عليه اجتهاده، وربما تقليده لفلان من الناس، أو هي انعكاس لوضع عاشه فيرسم هذه الثوابت ثم يسعى بعد ذلك لتحويلها إلى منهج من خلال البحث عن نصوص شرعية تؤيد ذلك، ولو أدى إلى أن يلوي أعناقها ليًّا. أو من خلال اجتهادات لبعض آحاد السلف تتحول هذه الاقتناعات عند صاحبنا إلى منهجٍ من خالفه فهو منحرفٌ ضال أفاك أثيم.
وثمة طوائف لا تزال في عزلة عن النص الشرعي وغربة عن منهج الطائفة المنصورة، فالمنهج لا يعدو أن يكون حسابات مرحلية أو قضايا استراتيجية، ولهذا قد لا تكاد تفرق أحيانًا بين حسابات بعض هؤلاء الدعاة وبين حسابات الساسة وأصحاب الأيدلوجيات الأرضية.
لأجل هذا وذاك كان لا بد من الحديث عن منهج الأنبياء حتى لا تتحول القضية إلى فوضى وتسيب وانحراف عن النص الشرعي والثوابت الشرعية، وحتى لا نشتط ونغلو فنحول اجتهاداتنا الشخصية التي لم يرد فيها نص واضح صريح تتعبد الأمة به.
ثانيًا: العصمة: فمن مزايا منهج الأنبياء أن الله سبحانه وتعالى قد عصمهم من الانحراف والخطأ والخلل، وعصمهم سبحانه وتعالى من الأهواء والأغراض، ومن ثم فاتباع سبيلهم ضمان بإذن الله للاستقامة على الطريق القويم ، لذا فمن رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده أنه جل في علاه لم يتركهم لاجتهادات البشر أو يعبدهم لآراء مثلهم، واقرأ في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل أنت واجد دليلًا واحدًا يأمر الناس بالتقليد ويحثهم عليه؟ إنك لن تجد الحديث عن التقليد في كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم إلا في مقام الذم والعيب لأولئك الذين عطلوا عقولهم وعطلوا منطق البرهان والحجة ليسيروا وراء رأي فلان أوفلان من الناس؛ فتكون آراؤه حجة ملزمة للناس ودينا لا يسعهم الخروج عليه.
قد يكون البشر أمة، وقد يكونون دعاة، وموجهين وأعلامًا للأمة تستفتيهم وتصدر عن رأيهم وتنتظر أراءهم وتستضيء بقولهم، لكن ذلك أبدًا لا يمكن أن يحوِّلهم إلى معصومين، وإلى حجة بين الله عز وجل وخلقه، ينبغي عليهم أن يتبعوهم؛ فمن خالف قولهم واجتهادهم سار ضالًا منحرفًا زائغًا.
ويرسم ابن عباس رضي الله عنه للأمة معالم هذا المنهج فيقول: أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون قال أبو بكر وعمر يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء.
ومن هنا كانت الحاجة ماسة وملحة للحديث عن منهج الأنبياء؛ لأن البديل عن منهج الأنبياء هو أن يتعبد الناس بآراء البشر أمثالهم، والبشر أيًا كانوا لا يمكن أن يكونوا محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، إنها طريق واحدة وسبيل واحدة هي سبيل المعصوم محمد صلى الله عليه وسلم وما عداه فهو عرضة للخلل والخطأ والزيغ والانحراف إلا من عصم الله عز وجل.