فهرس الكتاب

الصفحة 544 من 1236

فما عرفت البشرية أرحم ولا أرق فؤادًا منه صلى الله عليه وسلم (( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتم جريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوف الرحيم ) )فالدعاة إلى الله عز وجل ينبغي أن يكون منطقهم ورائدهم قوله صلى الله عليه وسلم:"ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه".

المعلم السابع: الوضوح

مع ما اتسم به الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فقد واجهوا قومهم بانحرافاتهم مواجهة صريحة لا لبس فيها ولا غموض، فلوط عليه السلام يقول لقومه: (( أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ) )، وشعيب عليه السلام يقول الله عز وجل عنه: (( وإلى مدين أخاهم شعيبًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ) ).

وإبراهيم عليه السلام الذي كان رحيمًا رقيقًا مع أبيه يعمد إلى أصنام قومه فيكسرها ويحطمها؛ فيعقدون له مجلس المناظرة والمحاكمة فيقولون له: أ أنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ فيقول ساخرًا متهكما (( بل فعله كبيرهم هذا فسألوهم إن كانوا ينطقون * فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ) )،قال مخاطبًا قومه: (( أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئًا ولا يضركم أفٍ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ) )ويقول محاجًا لطاغية عصره: (( إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ) ).

وموسى عليه السلام الذي أرسله الله إلى فرعون وأمره أن يقول قولًا لينًا (( قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورًا ) (( قال فرعون وما رب العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ) )إنه موسى الذي أمره الله بالقول اللين.

ومن ثم فإن الرفق والقول اللين مع أنه منهج لا يجوز تخطيه ولا المساومة عليه لا يعني السكوت عن قضايا الدعوة، ولا السكوت عن أخطاء الناس وانحرافاتهم وضلالتهم؛ فها هم أنبياء الله يعلنونها صريحة ويواجهون أقوامهم بشركهم وضلالهم مواجهة صريحة.

المعلم الثامن: كان الأنبياء يعيشون قضية عصرهم

لقد كان الأنبياء عليهم السلام يعيشون قضايا عصرهم؛ فلوط عليه السلام دعا إلى التوحيد ثم ندد بالفساد الأخلاقي الذي كان عليه قومه، وشعيب عليه السلام دعا إلى التوحيد وندد بالفساد الاقتصادي والظلم الذي كان عليه قومه، وموسى دعا إلى التوحيد والإيمان وندد بالاستعباد والإهانة للناس (( وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل ) ).

وهكذا الدعوة التي تسير على منهج الأنبياء ينبغي أن تقتفي معالم هذا المنهج؛ فتعيش قضية عصرها. إنه لا يسوغ أن يعيش امرؤ في بلد يعج بدعاء غير الله وتقديس الأضرحة، ولا يعرف حينها من يعيش هذا العصر من قضية العقيدة إلا قضية الأسماء والصفات، وأن القرآن منزل غير مخلوق.

وهكذا في أي عصر ينبغي أن يعيش الداعية قضية عصره، بل قد كان الأنبياء عليهم السلام -مع أن أقوامهم لم يستجيبوا بعد لقضية التوحيد- يتحدثون عن الفساد والضلال والانحراف الذي كان في عصرهم، فلا ترى سورة يذكر فيها لوط إلا ويذكر فيها الحديث عن الفساد والشذوذ الذي كان عليه قومه، ولا سورة يذكر فيها شعيب إلا وترى حديثه عن الفساد الاقتصادي وعن بخس الناس أموالهم وحقوقهم.

المعلم التاسع: الولاء على أساس الحق

لقد ضرب الله عز وجل لنا في القرآن مثلًا (امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئًا وقيل ادخلا النار مع الداخلين) .

ونوح حين وعده الله عز وجل أن ينجيه وابنه من أهله وكان يراه في معزل فناداه نوح (( يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ) )،حينما دعا نوح ربه قال الله عز وجل (( يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم ) )، وإبراهيم حين شاقه أبوه وعانده قال له ولقومه (( إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده ) ). إنها قضية الولاء والبراء وهي تلك التي يقولها صلى الله عليه وسلم إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي إنَّ أوليائي المتقون، فقضية الولاء والبراء قضية من أسس العقيدة لا يجوز الإخلال بها والمساومة عليها وخدشها؛ فهي قضية من قضايا الأمة الواحدة مما اتفق عليها الأنبياء إلى قيام الساعة، ولهذا توعد الله أولئك الذين يوالون أعداء الله ،قال: (( بشر المنافقين بأن لهم عذابًا أليما * الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعًا) (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على أسروا في أنفسهم نادمين ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت