وكائن ترى في الحي من ذي قرابة . ... المسألة الثانية: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو { قتل معه } والباقون { قاتل معه } فعلى القراءة الأولى يكون المعنى أن كثيرا من الأنبياء قتلوا والذين بقوا بعدهم ما وهنوا في دينهم ، بل استمروا على جهاد عدوهم ونصرة دينهم ، فكان ينبغي أن يكون حالكم يا أمة محمد هكذا . قال القفال رحمه الله: والوقف على هذا التأويل على قوله: ( قتل ) وقوله: ( معه ربيون ) حال بمعنى قتل حال ما كان معه ربيون ، أو يكون على معنى التقديم والتأخير ، أي وكأين من نبي معه ربيون كثير قتل فما وهن الربيون على كثرتهم ، وفيه وجه آخر ، وهو أن يكون المعنى وكأين من نبي قتل ممن كان معه وعلى دينه ربيون كثير فما ضعف الباقون ولا استكانو لقتل من قتل من إخوانهم ، بل مضوا على جهاد عدوهم ، فقد كان ينبغي أن يكون حالكم كذلك ، وحجة هذه القراءة أن المقصود من هذه الآية حكاية ما جرى لسائر الأنبياء لتقتدي هذه الأمة بهم ، وقد قال تعالى: { أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } [ آل عمران: 144 ] فيجب أن يكون المذكور قتل سائر الأنبياء لا قتالهم ، ومن قرأ { قاتل معه } فالمعنى: وكم من نبي قاتل معه العدد الكثير من أصحابه فأصابهم من عدوهم قرح فما وهنوا ، لأن الذي أصابهم إنما هو في سبيل الله وطاعته وإقامة دينه ونصرة رسوله ، فكذلك كان ينبغي أن تفعلوا مثل ذلك يا أمة محمد . وحجة هذه القراءة ان المراد من هذه الآية ترغيب الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في القتال ، فوجب أن يكون المذكور هو القتال . وأيضًا روي عن سعيد بن جبير أنه قال: ما سمعنا بنبي قتل في القتال .
المسألة الثالثة: قال الواحدي رحمه الله: أجمعوا على أن معنى «كأين» كم ، وتأويلها التكثير لعدد الأنبياء الذين هذه صفتهم ، ونظيره قوله: { فَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أهلكناها } [ الحج: 45 ] { وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا } [ الحج: 48 ] والكافي في «كأين» كاف التشبيه دخلت على «أي» التي هي للاستفهام كما دخلت على «ذا» من «كذا» و «أن» من كأن ، ولا معنى للتشبيه فيه كما لا معنى للتشبيه في كذا ، تقول: لي عليه كذا وكذا: معناه لي عليه عدد ما ، فلا معنى للتشبيه ، الا أنها زيادة لازمة لا يجوز حذفها ، واعلم أنه لم يقع للتنوين صورة في الخط إلا في هذا الحرف خاصة ، وكذا استعمال هذه الكلمة فصارت كلمة واحدة موضوعة للتكثير .
المسألة الرابعة: قال صاحب «الكشاف» : الربيون الربانيون ، وقرىء بالحركات الثلاث والفتح على القياس ، والضم والكسر من تغييرات النسب . وحكى الواحدي عن الفراء أنه قال: الربيون: الأولون ، وقال الزجاج: هم الجماعات الكثيرة ، الواحد ربي ، قال ابن قتيبة: أصله من الربة وهي الجماعة ، يقال: ربي كأنه نسب الى الربة . وقال الأخفش: الربيون الذين يعبدون الرب ، وطعن فيه ثعلب ، وقال: كان يجب أن يقال: ربي ليكون منسوبًا إلى الرب ، وأجاب من نصر الأخفش وقال: العرب إذا نسبت شيئًا الى شيء غيرت حركته ، كما يقال: بصري في النسب الى البصرة ، ودهري في النسبة الى الدهر ، وقال ابن زيد: الربانيون الأئمة والولاة ، والربيون الرعية ، وهم المنتسبون الى الرب .
واعلم أنه تعالى مدح هؤلاء الربيون نوعين: أولا بصفات النفي ، وثانيا بصفات الإثبات ، أما المدح بصفات النفي فهو قوله تعالى: { فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ الله وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا استكانوا } ولا بد من الفرق بين هذه الأمور الثلاثة ، قال صاحب «الكشاف» : ما وهنوا عند قتل النبي وما ضعفوا عن الجهاد بعده وما استكانوا للعدو ، وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن والانكسار ، عند الإرجاف بقتل رسولهم ، وبضعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين ، واستكانتهم للكفار حتى أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبدالله بن أُبَيّ ، وطلب الأمان من أبي سفيان ، ويحتمل أيضا أن يفسر الوهن باستيلاء الخوف عليهم ، ويفسر الضعف بأن يضعف إيمانهم ، وتقع الشكوك والشبهات في قلوبهم ، والاستكانة هي الانتقال من دينهم إلى دين عدوهم ، وفيه وجه ثالث وهو ان الوهن ضعف يلحق القلب . والضعف المطلق هو اختلال القوة والقدرة بالجسم ، والاستكانة هي إظهار ذلك العجز وذلك الضعف ، وكل هذه الوجوه حسنة محتملة ، قال الواحدي: الاستكانة الخضوع ، وهو أن يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريد .
ثم قال تعالى: { والله يُحِبُّ الصابرين } والمعنى أن من صبر على تحمل الشدائد في طريق الله ولم يظهر الجزع والعجز والهلع فإن الله يحبه ، ومحبة الله تعالى للعبد عبارة عن إرادة إكرامه واعزازه وتعظيمه ، والحكم له بالثواب والجنة ، وذلك نهاية المطلوب .
ثم إنه تعالى أتبع ذلك بأن مدحهم بصفات الثبوت فقال: وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147)
وفيه مسألتان: