قوله تعالى: { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ } كسرت «إنّ» لدخول اللام . قال أبو ميسرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ بأبي جهل وأصحابه فقالوا: يا محمد والله ما نُكذِّبك وإنك عندنا لصادق ، ولكن نُكذِّب ما جئتَ به؛ فنزلت هذه الآية: { فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ولكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ } ثم آنسه بقوله: { وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ } الآية . وقرىء «يُكَذِّبُونَكَ» ؛ مخففًا ومشدّدًا؛ قيل: هما بمعنى واحد كحزنته وأحزنته؛ واختار أبو عُبيد قراءة التخفيف ، وهي قراءة علي رضي الله عنه؛ وروى عنه أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذّبك ولكن نكذّب ما جئت به؛ فأنزل الله عز وجل: { فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ } . قال النحاس وقد خولف أبو عُبيد في هذا . وروى: لاَ نُكذبِك . فأنزل الله عز وجل: { لاَ يُكَذِّبُونَكَ } . ويقوّي هذا أن رجلًا قرأ على ابن عباس «فَإِنَّهُمْ لاَ يُكْذِبُونَكَ» مخففًا فقال له ابن عباس «فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ» . لأنهم كانوا يسمون النبي صلى الله عليه وسلم: الأمين . ومعنى «يُكَذِّبُونَكَ» عند أهل اللغة ينسبونك إلى الكذب؛ ويردّون عليك ما قلت . ومعنى «لا يُكْذِبُونَكَ» أي لا يجدونك تأتي بالكذب؛ كما تقول: أكذبته وجدته كذّابًا ، وأبخلته وجدته بخيلًا ، أي لا يجدونك كذّابًا إن تدبّروا ما جئت به . ويجوز أن يكون المعنى: لا يثبتون عليك أنك كاذب؛ لأنه يقال: أكذبته إذا احتججت عليه وبيَّنت أنه كاذب . وعلى التشديد: لا يكذّبونك بحجة ولا برهان؛ ودل على هذا { ولكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ } . قال النحاس: والقول في هذا مذهب أبي عبيد ، واحتجاجه لازم؛ لأن عليًا كرم الله وجهه هو الذي روى الحديث ، وقد صح عنه أنه قرأ بالتخفيف؛ وحكى الكسائي عن العرب: أكذبت الرجل إذا أخبرت أنه جاء بالكذب ورواه ، وكذّبته إذا أخبرت أنه كاذب؛ وكذلك قال الزجاج: كذّبته إذا قلت له كذبت ، وأكذبته إذا أردت أن ما أتى به كذب .
قوله تعالى: { فَصَبَرُواْ على مَا كُذِّبُواْ } أي فاصبر كما صبروا . { وَأُوذُواْ حتى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا } أي عوننا ، أي فسيأتيك ما وُعِدت به . { وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله } مبين لذلك النصر؛ أي ما وعد الله عز وجل به فلا يقدر أحد أن يدفعه؛ لا ناقض لحكمه ، ولا خلف لوعده؛ و { لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ } [ الرعد: 38 ] { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ } [ غافر: 51 ] { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين * إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون } { كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي } [ المجادلة: 21 ] { وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ المرسلين } فاعل «جاءك» مضمر؛ المعنى: جاءك من نبإ المرسلين نبأٌ .
وقال الرازي (1) :
في الآية مسائل:
المسألة الأولى: اعلم أن طوائف الكفار كانوا فرقًا كثيرين ، فمنهم من ينكر نبوته لأنه كان ينكر رسالة البشر ويقول يجب أن يكون رسول الله من جنس الملائكة وقد ذكر الله تعالى في هذه السورة شبهة هؤلاء وأجاب عنها . ومنهم من يقول: إن محمدًا يخبرنا بالحشر والنشر بعد الموت وذلك محال . وكانوا يستدلون بامتناع الحشر والنشر على الطعن في رسالته . وقد ذكر الله تعالى ذلك وأجاب عنه بالوجوه الكثيرة التي تقدم ذكرها ومنهم من كان يشافهه بالسفاهة وذكر ما لا ينبغي من القول وهو الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية . واختلفوا في أن ذلك المحزن ما هو؟ فقيل كانوا يقولن إنه ساحر وشاعر وكاهن ومجنون وهو قول الحسن . وقيل: إنهم كانوا يصرحون بأنهم لا يؤمنون به ولا يقبلون دينه وشريعته . وقيل: كانوا ينسبونه إلى الكذب والافتعال .
المسألة الثانية: قرأ نافع { لَيَحْزُنُكَ } بضم الياء وكسر الزاي والباقون بفتح الياء وضم الزاي وهما لغتان يقال حزنني كذا وأحزنني .
(1) - تفسير الرازي - (ج 6 / ص 268)