لقد كان زعماء الكفار أولئك يحاولون أن يبنوا لأنفسهم مجدا من خلال جرأتهم على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإقدامهم على سبه وإيذائه أمام الجمهور، حيث يظهرون بمظهر الأبطال الذين لا يبالون بسخط النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين ولا بسخط حماتهم من بني هاشم، فكان من المناسب أن يجيبهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بكلام شديد يهز فيه من شخصياتهم ويسقط فيه من معنوياتهم حتى لا يمتدحوا أمام أتباعهم بتلك المواقف الوهمية، ولقد حصل للنبي - صلى الله عليه وسلم - ما أراد حيث وجموا لسماع ذلك الكلام وتكلموا بكلام يحمل معنى الاعتذار عن موقفهم السيء ذلك.
إن اجتماعهم على الباطل يلغي تفكيرهم السليم ويجعلهم ينطلقون من الحماس المتأجج من العواطف الثائرة، وغالبًا ما يكون التفكير والتوجيه من فرد أو أفراد يتزعمون أفراد المجتمع، فيبقى أغلب الأفراد تابعين لهؤلاء الزعماء من غير تفكير في صواب ما دعوهم إليه من خطئه ولذلك أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يدعوهم إلى التفكير المتأمل المتجرد عن فكر الجماعة الذي يهيمن عادة على الأفراد حيث يقول - تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) (سبأ: 46)
فإذا خلا الإنسان بنفسه ثم تفكر في أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه سيلغي من حسابه اتهامه بالجنون وغيره مما ألصقه به الأعداء، وكذلك إذا خلا بصاحبه وقَارَنَا بين النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن عُرف عنهم الإصابة بهذه التهم، لأن الفكر والحال هذه ينطلق من العقل المتجرد من العاطفة والتبعية للقوى المهيمنة على العقول فلابد أن يصل إلى النتيجة الصحيحة الموافقة للعقل السليم.
وحينما يخلو الإنسان إلى فكره يخبو نداء العاطفة تدريجيًّا ويرتفع نداء العقل فيصلُ الإنسان إلى الحكم الصحيح العادل.
وفي هذه الأخبار مواقف رائعة لأبي بكر - رضي الله عنه-، حيث وقف دون النبي - صلى الله عليه وسلم - ودافع الناس عنه وحماه بنفسه حتى انصرف عنه أعداؤه، وفيها بيان لشدة الأذى الذي تحمله في سبيل ذلك، وهذا دليل على قوة إيمانه وشجاعته النادرة واستهانته بنفسه في سبيل الدفاع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وفي أحد هذه الأخبار شهادة على شجاعة أبي بكر البالغة يقدمها بطل كبير من أبطال الإسلام هو علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - الذي لم تنتكس له راية ولم يقف له أحد في موقف.
وإنما يدرك فضل أهل الفضل من شاركهم في هذا الفضل، حيث شهد له بالإقدام على مدافعة المشركين وإنقاذ النبي - صلى الله عليه وسلم - من بين أيديهم بينما لم يجرؤ غيره على ذلك، وإن هذا الموقف بقدر ما يصور شجاعة أبي بكر وتضحيته فإنه يصور فظاعة المشركين وعنفهم في الانتقام وقوة شخصياتهم التي أوقفت المؤمنين حتى عن الدفاع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وإن من مزايا هذه الشهادة الكريمة أنها تم إعلانها على ملأ من الناس، وفي وقت بدأ فيه بعض الموتورين والجهال بالغضِّ من شأن بعض كبار الصحابة، فأراد علي - رضي الله عنه - أن يعدِّل الموازين، وأن ينبئ الناس بأن محبتهم له يجب أن لا تطغى بحيث يترتب عليها التهوين من شأن كبار الصحابة كأبي بكر وعمر - رضي الله عنهم - أجمعين.
وإننا حين نبرز حق أبي بكر وفضله كما أعلنه علي - رضي الله عنهما - فإننا نقدر لعلي هذا الموقف الكريم المشتمل على التواضع الجمِّ والوفاء الكبير لأخوة له مضوا على درب الجهاد والدعوة.
وفي الخبر الأخير بيان لموقف عثمان - رضي الله عنه - حيث دفع أبا جهل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أوقعه على الأرض. مع ما كان يتمتع به أبو جهل من مكانة عالية بين قومه، فرضي الله عن هؤلاء الصحابة الذين صمدوا مع قلتهم لأهل الباطل وهم في أوج عزهم وكثرتهم.
[1] سيرة ابن هشام 1/289، السير والمغازي /229.
وأخرج الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق وذكره مثله مسند أحمد 2/218.
وذكره الهيثمي وقال: وقد صرح ابن إسحاق بالسماع وبقية رجاله رجال الصحيح مجمع الزوائد 6/16 -.
وأخرج الإمام البخاري نحوه مختصرًا صحيح البخاري رقم 3678، كتاب فضائل الصحابة -.
[2] مجمع الزوائد 6/16.
[3] أي إن شعر رأسه مفرق إلى غدائر.
[4] مسند الحميدي 1/155 رقم 324، وعزاه الحافظ ابن حجر إلى أبي يعلى والحميدي المطالب العاليه4/192، رقم 4279 وحسن إسناده فتح الباري 7/169- ووثق البوصيري رجاله هامش المطالب العالية 4/193 -.
[5] فتح الباري 7/169.
[6] مجمع الزوائد 6/17.
وأخرجه الحاكم من حديث أنس - رضي الله عنه - وقال: صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي المستدرك3/67.
[7] الأفكل بفتح الهمزة وسكون الفاء الرعدة القاموس المحيط -.
[8] عيون الأثر 1/103.
[9] فتح الباري 7/168.
[10] مسند أحمد 3/113.