{ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العالمين } [ البقرة: 131 ] ثم ابتلي في ماله وولده ووطنه ونفسه ، فوجد صادقًا وافيًا في جميع ما ابتلي به . وأما موسى فعزمه حين قال له قومه: { قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين } [ الشعراء: 26 ] . وأما داود فأخطأ خطيئته فنُبّه عليها ، فأقام يبكي أربعين سنة حتى نبتت من دموعه شجرة ، فقعد تحت ظلها . وأما عيسى فعزمه أنه لم يضع لَبِنة على لَبِنة وقال: إنها مَعْبرة فاعبروها ولا تعمروها . فكأن الله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: اصبر؛ أي كن صادقًا فيما ابتليت به مثل صدق إبراهيم؛ واثقًا بنُصرة مولاك مثل ثقة موسى ، مهتمًّا بما سلف من هفواتك مثل اهتمام داود ، زاهدًا في الدنيا مثل زهد عيسى . ثم قيل هي: منسوخة بآية السيف . وقيل: محكمة؛ والأظهر أنها منسوخة؛ لأن السورة مكية . وذكر مقاتل: أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد؛ فأمره الله عز وجل أن يصبر على ما أصابه كما صبر أولو العزم من الرسل ، تسهيلًا عليه وتثبيتًا له . والله أعلم . { وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ } قال مقاتل: بالدعاء عليهم . وقيل: في إحلال العذاب بهم ، فإن أبعد غاياتهم يوم القيامة . ومفعول الاستعجال محذوف ، وهو العذاب . { كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ } قال يحيى: من العذاب . النقاش: من الآخرة . { لَمْ يلبثوا } أي في الدنيا حتى جاءهم العذاب ، وهو مقتضى قول يحيى . وقال النقاش: في قبورهم حتى بعثوا للحساب . { إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ } يعني في جنب يوم القيامة . وقيل: نسَّاهم هَوْل ما عاينوا من العذاب طول لبثهم في الدنيا . ثم قال: { بَلاَغٌ } أي هذا القرآن بلاغ؛ قاله الحسن . ف «بلاغ» رفع على إضمار مبتدأ؛ دليله قوله تعالى: { هذا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ } [ إبراهيم: 2 5 ] ، وقوله: { إِنَّ فِي هذا لَبَلاَغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ } [ الأنبياء: 06 1 ] . والبلاغ بمعنى التبليغ . وقيل: أي إن ذلك اللبث بلاغ؛ قاله ابن عيسى ، فيوقف على هذا على «بلاغ» وعلى «نَهَارٍ» . وذكر أبو حاتم أن بعضهم وقف على «وَلاَ تَسْتَعْجِلْ» ثم ابتدأ «لَهُمْ» على معنى لهم بلاغ . قال ابن الأنباريّ: وهذا خطأ؛ لأنك قد فصلت بين البلاغ وبين اللام ، وهي رافعة بشيء ليس منهما . ويجوز في العربية: بلاغًا وبلاغٍ؛ النصب على معنى إلا ساعة بلاغًا؛ على المصدر أو على النعت للساعة . والخفض على معنى من نهارٍ بلاغ . وبالنصب قرأ عيسى بن عمر والحسن . وروي عن بعض القرّاء «بَلِّغ» على الأمر؛ فعلى هذه القراءة يكون الوقف على «مِنْ نَهَارٍ» ثم يبتدىء «بلغ» . { فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الفاسقون } أي الخارجون عن أمر الله؛ قاله ابن عباس وغيره . وقرأ ابن محيصن «فَهَلْ يَهْلِكُ إلاَّ الْقَوْمُ» على إسناد الفعل إلى القوم . وقال ابن عباس: إذا عسر على المرأة وَلَدُها تكتب هاتين الآيتين والكلمتين في صحيفة ثم تغسل وتسقى منها؛ وهي: بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله العظيم الحليم الكريم ، سبحان الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم { كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يلبثوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا } [ النازعات: 6 4 ] . { كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يلبثوا إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الفاسقون } . صدق الله العظيم . وعن قتادة: لا يهلك إلا هالك ومشرك . وقيل: هذه أقوى آية في الرجاء . والله أعلم .