و { من نهار } وصف الساعة ، وتخصيصها بهذا الوصف لأن ساعة النهار تبدو للناس قصيرة لما للناس في النهار من الشواغل بخلاف ساعة الليل تطول إذ لا يجد الساهر شيئًا يشغله . فالتنكير للتقليل كما في حديث الجمعة قوله صلى الله عليه وسلم"وفيه ساعة يُستجاب فيها الدعاء"، وأشار بيده يقللها ، والساعة جزء من الزمن .
{ نَّهَارٍ } .
فذلكة لما تقدم بأنه بلاغ للناس مؤمِنهم وكافِرهم ليعلم كلٌّ حَظّه من ذلك ، فقوله: { بلاغ } خبر مبتدإ محذوف تقديره: هذا بلاغ ، على طريقة العنوان والطالع نحوَ ما يُكتب في أعلى الظهير: «ظهير من أمير المؤمنين» ، أو ما يكتب في أعلى الصكوك نحو: «إيداع وصية» ، أو ما يكتب في التآليف نحو ما في «الموطأ» «وقوت الصلاة» . ومنه ما يكتب في أعالي المنشورات القضائية والتجارية كلمة: «إعلان» .
وقد يظهر اسم الإشارة كما في قوله تعالى: { هذا بلاغ للناس } [ إبراهيم: 52 ] ، وقول سيبويه: «هذا باب علم ما الكلم من العربية» ، وقال تعالى: { إن في هذا لبلاغًا لقوم عابدين } [ الأنبياء: 106 ] .
والجملة مستأنفة استئنافًا ابتدائيًا على طريقة الفذلكة والتحصيل مثل جملة { تلك عشرة كاملة } [ البقرة: 196 ] ، { تلك أمة قد خلت } [ البقرة: 134 ] .
{ بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم } .
فرع على جملة { كأنهم يوم يرون ما يُوعدون } إلى { من نهار } ، أي فلا يصيبُ العذاب إلا المشركين أمثالهم . والاستفهام مستعمل في النفي ، ولذلك صحّ الاستثناء منه كقوله تعالى: { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلاّ من سفه نفسه } [ البقرة: 130 ] .
ومعنى التفريع أنه قد اتضح مما سمعت أنه لا يهلك إلا القوم الفاسقون ، وذلك من قوله: { قل ما كنتُ بِدْعًا من الرسل } [ الأحقاف: 9 ] ، وقوله: { لتنذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين إلى قوله: ولا هم يحزنون } [ الأحقاف: 12 ، 13 ] ، وقوله: { ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى } [ الأحقاف: 27 ] الآية .
والإهلاك مستعمل في معنييه الحقيقي والمجازي ، فإن ما حكي فيما مضى بعضه إهلاك حقيقي مثل ما في قصة عاد ، وما في قوله: { ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى } ، وبعضه مجازي وهو سوء الحال ، أي عذاب الآخرة: وذلك فيما حكي من عذاب الفاسقين .
وتعريف { القوم } تعريف الجنس ، وهو مفيد العموم ، أي كل القوم الفاسقين فيعم مشركي مكة الذين عناهم القرآن فكان لهذا التفريع معنى التذييل .
والتعبير بالمضارع في قوله: { فهل يُهلَك } على هذا الوجه لتغليب إهلاك المشركين الذي لمّا يقَعْ على إهلاك الأمم الذين قبلهم . ولك أن تجعل التعريف تعريف العهد ، أي القوم المتحدث عنهم في قوله: { كأنهم يوم يرون ما يوعدون } الآية ، فيكون إظهارًا في مقام الإضمار للإيماء إلى سبب إهلاكهم أنه الإشراك .
والمراد بالفسق هنا الفسق عن الإيمان وهو فسق الإشراك . وأفاد الاستثناء أن غيرهم لا يهلكون هذا الهلاك ، أو هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات .