وانظروا إلى أحداث الأمة وإلى أشدّ قضاياها قساوة ومعاناة.. انظروا إلى كل الجرائم والفضائع التي تصبّ على المسلمين.. انظروا إلى بشاعة وفضاعة وقسوة أعداء دين الله - عز وجل -، ثم انظروا إلى ما انبثق في القلوب من صبره وما سكب ا لله عزوجل فيها من يقين، وما ثبت به الأقدام فلم تتزعزع والقلوب فلم تشك ولم ترتاب.
ثم انظروا إلى بعض الصور في هذه الوقائع: انظروا إلى إخواننا في البوسنة والهرسك.. انظروا إلى إخواننا في كشمير، إلى إخواننا في طاجكستان وفلسطين.. انظروا إلى شرق الأرض وغربها حيث يضطهد المسلمون، حيث يعذبون، حيث يحاربون.
انظروا.. فماذا ترى؟ قد يرى الرائي إذا نظر بغير منظار إيمان صورة سوداء أو شوهاء، ويدقّ في قلبه بأس عجيب، ويظن أن الأمر قد قضي، وأن الأمة لابد أن تتراجع وأن تتخاذل، وأن تعطي لأعدائها ما يشاؤون!
إلا أن الناظر بنظر الأيمان يرى مثل هذه الصور تتجلى من جديد.. إخواننا في البوسنة والهرسك الذين ظن الأعداء - الذين تكالبوا عليهم بصورة تشبه بل قد تكون أشد مما تكالب الأعداء يوم الأحزاب على النبي - صلى الله عليه وسلم - وجاءهم صرب وكروات، ومن ورائهم قوي عظمى، ومن ورائهم دول، ومن ورائهم حيل وسياسات ومؤامرات.. ومع ذلك مازال صمودهم وثباتهم بحمد الله - عز وجل - راسخًا! بل قد رجع كثير منهم إلى الله - عز وجل -، وأصبح لسان حالهم يردد: {إنا لله وإنا إليه راجعون} ، وأصبح حالهم كأنه يمضى إلى تحقيق الوصف الرباني {وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا} .
ولسان حالهم يذكرنا بما قص الله علينا من شأن محمد - صلى الله عليه وسلم - وصحابته رضوان الله عليهم: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} .
هل ترونهم ينظرون إلى مدد من شرق أو غرب وهل تروهم يعتمدون على قوة مادية أو عسكرية.
ومع ذلك انظروا على ما فتح الله عليهم ومن النصر والإيمان، وقبل ذلك إلى ما سكب في قلوبهم من اليقين والطمأنينة، ومن رجوعهم إلى ربهم وصلتهم بمولاهم، وخضوعهم له - سبحانه وتعالى-.. وإذا بهم يرجعون إلى القرآن، وإلى حلق الذكر، وإذا بنسائهم يمضين في طريق فيه التذكر ولبس الحجاب.. وغير ذلك من الأمور.
ثم انظروا إلى ما فتح الله عليهم، فإذا بهم اليوم في الآونة الأخيرة ينتصرون، ويعجب المرء كيف ينتصر الضعفاء العزل المحاصرون الذين ليس في ديارهم ماء ولا كهرباء ولا كساء ولا غذاء، كيف يكون مثل هذا؟ كيف ينتصرون ويفتحون فآريس وخمس مدن وقرى كرواتيه، ويطردون عشرات الآلاف من أولئك الأراغل الأعداء؟
كيف يثبتون هذا الثبات في سراييفو العاصمة التي كل لحظة يتهدد أصحابها وسكانها الموت، إما برصاص وإما بقذاف وإما بجوع وإما بأية صورة من الصور.
يحصد الموت الناس حصدًا، ومع ذلك تجد الواحد منهم يقول:"ثابتون صامدون، وبقضاء الله - عز وجل - راضون".
وانظر إلى فضاعة أعداء الله - عز وجل - وإرهابهم وتطرفهم، وكل الأوصاف الذميمة التي يريدون إلصاقها زورًا وبهتانًا بأهل الإسلام والإيمان هي فيهم.
وكان الناس يذكرون الصرب، وأنهم ظلمة، وأنهم قساة، وأنهم طغاة، فجدد الكروات ما أنسى سيرة الصرب..
ونعلم قصة القرية التي أحرقوها عن بكرة أبيها ومن فيها من رجالها ونساها وأطفالها وبيوتها، حتي أذهلوا الناس والعالم أجمع، ومع ذلك ما فتّ ذلك في عضد أهل الأيمان، وما رفعوا أيديهم استسلامًا، وما قالو حسبنا هذا! وإنما قالوا: {حسبنا الله ونعم الوكيل} .
وانظروا إلى إخواننا في كشمير اليوم، وهم قد حوصروا في أعظم مسجد من مساجدهم"مسجد حضرة أبال"يحاصره خمسة عشرة ألف جندي، والطائرات المروحية والقوات، ومنع التجول، وبعد ذلك يحصدون، وإذا بالحصاد في بضعة أسابيع يبلغ مئات، ومع ذلك ما يزالون صامدين، وما يزالون في أوج مواجهتهم وجهادهم، يتمسكون بالله - عز وجل - وبكتابه، وبهدى نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ويثقون بالنصر ثقة ليس فيها شك.. حتى يقول قائد من قوادهم، وهو من زعماءهم الكبار:"إن الجهاد في كشمير ماضٍ في طريقة حتى نهايته المنطقية، وإن الشعب الكشميري قد وصل إلى منطقة اللا عودة".
بل علماء الأيمان والإسلام في تلك الديار يحثون المؤمنين على الصبر والثبات والصمود، وعلى أن لا يضعفوا وأن لا يجبنوا أمام أعداء الله - عز وجل -، ويفتون بكفر من يكون عونًا للأعداء على المجاهدين والمسلمين في أرض كشمير المسلمة.
وانظروا إلى كل مكان، وانظروا إلى إخواننا في أرض الإسراء وما قد أثلجوا به صدورنا مما يظهرون من مظاهر القوة والاستعلاء {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} .
صبر وثبات لا يتغير ولا يتبدل، مع استقامة على أمر الله وشرع الله والصياح والهتاف:"الله اكبر.. الله أكبر".
والأيدي المرتفعة متوضئة، وهي ترفع في أيديها المصافح تغيرت بعض ملامح الأمة، فاصطلحت في بعض أحوالها وأشخاصها وديارها مع الله - عز وجل -، فجاءها بعض هذا النصر، وارتسمت لها بعض مسالك التمكين..