فهرس الكتاب

الصفحة 587 من 1236

لقد كانت أوامر الرب - سبحانه - لمحمد - عليه الصلاة والسلام - بالصبر كثيرة في القرآن وما ذاك إلا لأنها دعوة شاملة تواجه أمم الأرض كلها فخصومها كثيرون وحاجة إمام الدعوة إلى الصبر أعظم لقد واجه النبي - صلى الله عليه وسلم - صنوف الأذى البدني والنفسي والمالي والاجتماعي والدعائي وغيره، وقاوم ذلك كله بالصبر الذي أمره به الله في عشرين موضعًا في القرآن كلها إبان العهد المكي لأنه عهد البلاء والفتنة والضعف وتسلط الكافر، وكان مما قاله الله له: (( تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك. ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين ) (( واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون... الآية ) ). (( واصبر لحكم ربك، فإنك بأعيننا، وسبح بحمد ربك حين تقوم ) ). فأمر بالصبر لحكمه وهو - سبحانه - لا يحكم إلا بالحق والعدل، وقال له (( فإنك بأعيننا ) )فصيغة الجمع لزيادة التثبيت والتأنيس، وقال الله لموسى: (( ولتصنع على عيني ) )ومن كان بعين الله ومرأى منه فلن يضيع ولن يغلب، ثم أمر بالتسبيح كما أمره به في جملة آيات على أعقاب أمره بالصبر، ولعل السر فيه أن التسبيح يعطى الإنسان شحنة روحية تحلو بها مرارة الصبر، ويحمل التسبيح بحمد الله معنيين جليلين لابد أن يرعاهما من ابتلي:

1-تنزيه الله - تعالى - أن يفعل عبثًا، بل كل فعله موافق للحكمة التامة، فبلاؤه لحكمة.

2-أن له - تعالى - في كل محنة منحة وفي كل بلية نعماء ينبغي أن تذكر فتشكر وتحمد وهذا هو سر اقتران التسبيح بالحمد هنا. وفي قوله (ربك) إيذان بكمال التربية ومزيد العناية.

ج حكمه:

الصبر من حيث الجملة واجب، ويدل لذلك:

أ - أمر الله به في غير ما آية قال - تعالى: (( استعينوا بالصبر والصلاة ) ) (( اصبروا وصابروا ) ).

ب - نهيه عن ضده كما في قوله (( فلا تولوهم الأدبار ) )وقوله (( ولا تبطلوا أعمالكم ) ) (( ولا تهنوا ولا تحزنوا ) ) (( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم ) ).

ج - أن الله رتب عليه خيري الدنيا والآخرة وما كان كذلك كان تحصيله واجبًا، أما من حيث التفصيل فحكمه بحسب المصبور عنه أو عليه، فهو واجب على الواجبات وواجب عن المحرمات، وهو مستحب عن المكروهات، ومكروه عن المستحبات، ومستحب على المستحبات، ومكروه على المكروهات، ومما يدل على أن الصبر قد لا يكون لازمًا قوله - تعالى - (( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ) )، فالصبر عن مقابلة السيئة بمثلها ليس واجبًا بل مندوبًا إليه.

وقد أمر الله المؤمنين بالصبر والمصابرة والمرابطة فقال: (( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) )، وصيغة المصابرة تفيد المفاعلة من الجانبين، والمعنى هنا: مغالبة الأعداء في الصبر، فإذا كنا نصبر على حقنا، فإن المشركين يصبرون على باطلهم؛ فلا بد أن نغلبهم بمصابرتنا، ثم أمرنا بالمرابطة على تلك المصابرة والثبات عليها لنحقق موعود الله ونظفر بالفلاح، فانتقلت الآية بالأمر من الأدنى إلى الأعلى فالصبر مع نفسك، والمصابرة بينك وبين عدوك والمرابطة: الثبات وإعداد العدة، وكما أن الرباط لزوم الثغر لئلا يهجم منه العدو فكذلك الرباط أيضًا لزوم ثغر القلب لئلا يهجم منه الشيطان فيملكه أو يخربه أو يناله بأذى. وعليه فقد يصبر العبد ولا يصابر، وقد يصابر ولا يرابط، وقد يصبر ويصابر ويرابط من غير تعبد بالتقوى، فأخبر - سبحانه - أن ملاك ذلك كله بالتقوى.

د درجاته:

الصبر نوعان، بدني ونفسي وكل منهما قسمان: اختياري واضطراري، فصارت أربعة:

أ - بدني اختياري، كتعاطي الأعمال الشاقة.

ب - بدني اضطراري كالصبر على ألم الضرب.

ج - نفسي اختياري كصبر النفس عن فعل مالا يحسن فعله شرعًا ولا عقلًا.

د - نفسي اضطراري كصبر النفس عن فقدان محبوبها الذي حيل بينها وبينه.

والبهائم تشارك الإنسان في النوعين الاضطراريين لكنه يتميز عليها بالنوعين الاختياريين، والصبر الاختياري أكمل من الاضطراري، فإن الاضطراري يشترك فيه الناس ويتأتى ممن لا يتأتى منه الصبر الاختياري، ولذلك كان صبر يوسف على مطاوعة امرأة العزيز وصبره على ما ناله من السجن أعظم من صبره على ما ناله من إخوته لما ألقوه في الجب وفرقوا بينه وبين أبويه، وباعوه بيع العبد، ومن الصبر الاختياري صبره على العز والتمكين الذي أورثه الله إياه فجعله مسخرًا لطاعة الله ولم ينقله ذلك إلى الكبر والبطر، وكذلك كان صبر نوح والخليل وموسى الكليم والمسيح ومحمد - صلى الله عليه وسلم - فإن صبرهم كان على الدعوة إلى الله ومجاهدة أعداء الله ولهذا سموا أولي العزم، وأمر الله رسوله أن يصبر كصبرهم (( فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ) )ونهاه عن أن يتشبه بصاحب الحوت حيث لم يصبر فخرج مغاضبًا قبل أن يؤذن له (( فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت ) )ولهذا دارت قصة الشفاعة يوم القيامة على أولي العزم حتى ردوها إلى خيرهم وأفضلهم وأصبرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت