-وما يحيكه المغرضون من مؤامرات الكيد التي تؤذي الداعية في أهله ونفسه وماله تحتاج إلى صبر، وهذا ما أكده الله - تعالى - بقوله: (( لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا، وإن تصبروا وتتقوا، فإن ذلك من عزم الأمور ) )، وقد أمر الله رسوله بقوله: (( واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرًا جميلًا ) )، وقد أجمع الأنبياء على رد أذى أقوامهم بالصبر (( ولنصبرن على ما آذيتمونا، وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) )، (( ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا، ولا مبدل لكلمات الله ) )، وسحرة فرعون لما وقر الإيمان في قلوبهم قابلوا تهديده بالقتل والصلب بقولهم (( إنا إلى ربنا منقلبون، وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا، ربنا أفرغ علينا صبرًا، وتوفنا مسلمين ) ).
-إن طول الطريق، واستبطاء النصر يحتاج إلى صبر، وصبر حار شديد ولذا خوطب المؤمنون في القرآن بقوله - تعالى: (( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا، حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب ) )، وقوله: (( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ) ).
هـ الصبر حين البأس:
أي الصبر في الحرب وعند لقاء العدو والتحام الصفوف، فالصبر ثَمّ شرط للنصر، والفرار كبيرة، وقد أثنى الله - تعالى - على الصابرين في ساعة القتال فقال في آية البر: (( والصابرين في البأساء ) )أي الفقر (( والضراء ) )أي المرض، وحين البأس، (( أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) )ويوجبه على عباده بقوله: (( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون، وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا، إن الله مع الصابرين ) ).
وعندما تضطرب أمور المعركة، وينفرط عقدها تكون الحاجة إلى الصبر أعظم وأشد كما حدث في أحد حين انكشف المسلمون وشاع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتل، انجفل فريق من المسلمين منهزمين، وصبر آخرون فنزل من القرآن إشادة بمن صبروا، وإنكار على أولئك: (( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) )ثم لا يعذرهم في فرارهم وانهزامهم (( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا، وسيجزي الله الشاكرين ) )إلى أن قال: (( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين ) ).
وقد حدثنا عن الثلة المؤمنة مع طالوت عندما انتصرت لما اعتصمت بالصبر، وقد اختبر طالوت من معه بقوله: (( إن الله مبتليكم بنهر.. ) ) (( فصبر ثلة مؤمنة على ترك الشرب من النهر إلا غرفة باليد ) ) (( فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه، قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله، كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين، ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا: ربنا أفرغ علينا صبرًا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ) )، لقد سألوا الله حين اللقاء صبرًا وأوعبوا، فقالوا (( أفرغ ) )، إذ هم بحاجة إلى صبر كثير، وكانت النتيجة (( فهزموهم بإذن الله، وقتل داود جالوت.. ) ).
و - الصبر في مجال العلاقات الإنسانية:
لا تستقيم الحياة مع الناس إلا بالصبر بدءًا بأقرب من يعاشرك وهي الزوجة وانتهاءً بأبعد الناس عنك، وقد قال الله - تعالى - مبينًا ما ينبغي أن يتحلى به الزوج من صبر في مواجهة مشاكل الزوجية: (( وعاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا ) )، أي فاصبروا فعاقبة الصبر حميدة، ويوصي الله عباده بالصبر على ما يلاقونه من الناس من ضر، وأن لا يقابلوا السيئة بمثلها فيقول: (( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) ).
ومما يُنظم في هذا العقد صبر التلميذ على التعلم والمعلم، وهذا ما حدثنا عنه في القرآن عندما ذهب موسى إلى الخضر ليعلمه مما علمه الله، قال له الخضر إما لأن الله أخبره بالحقيقة أو تهييجًا على الصبر -قال: (( إنك لن تستطيع معي صبرًا، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا ) )، فتعهد موسى بالصبر - قال: (( ستجدني إن شاء الله صابرًا ) )...
-الأسباب المعينة على الصبر:
أ - المعرفة بطبيعة الحياة الدنيا: