فهرس الكتاب

الصفحة 592 من 1236

إن اشتداد الأزمة في سنن الله تعني قرب انبلاج الفجر وظهور طلائع النصر كما قيل:

اشتدي أزمةُ تنفرجي قد آذن ليلك بالبلج

ولهذا نجد يعقوب يكون أمله في العثور على يوسف أشد عندما أخذ ابنه الثاني فيقول: (( فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعًا ) )، وقال لأبنائه (( يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه، ولا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) ).

هـ - الاستعانة بالله:

مما يعين المبتلى على الصبر أن يستعين بالله - تعالى - ويلجأ إلى حماه فيشعر بمعيته - سبحانه - وأنه في حمايته ورعايته، ومن كان في حمى ربه فلن يضام ولذا قال موسى لقومه بعد أن هددهم فرعون بما هددهم به (( استعينوا بالله واصبروا، إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ) ).

إذا لم يكن عون من الله للفتى فأكثر ما يجني عليه اجتهاده

ولعل حاجة الصابرين إلى الاستعانة بالله - تعالى - والتوكل عليه هي بعض أسرار اقتران الصبر بالتوكل على الله في آيات كثيرة كقوله (( نعم أجر العاملين، الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ) )، وقوله عن رسله: (( ولنصبرن على ما آذيتمونا، وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) ).

و - الاقتداء بأهل الصبر:

إن التأمل في سير الصابرين يعطي الإنسان شحنة دافعة على الصبر، ومن هنا ندرك سر حرص القرآن المكي على ذكر صبر الأنبياء على ما لاقوه من أممهم وهذا ما صرح الله به في قوله: (( وكلًا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين ) )، وقال الله: (( ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا، ولا مبدل لكلمات الله، ولقد جاءك من نبإي المرسلين ) ) [الأنعام/34] ، وجاء الأمر صريحًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالاقتداء بالصابرين قبله: (( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ولا تستعجل لهم ) )، وحين نزل البلاء بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءهم التذكير ببلاء من كان قبلهم: (( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) )، وقال لهم: (( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب ) ).

ز - الإيمان بقدر الله:

إن إيمان العبد بقدر الله النافذ واستسلامه له أكبر عون على تجشم مصاعب المصائب، وعلم العبد بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه برد من اليقين يصب على فؤاده، قال - تعالى: (( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) )، وركون المؤمن إلى قدر الله في مثل هذا المقام واحتجاجه به أمر لا غبار عليه لأنه إحالة على القدر فيما لا اختيار للعبد فيه.

واعلم أن الجزع والهلع والتبرم والضيق لا يرد من قدر الله شيئًا فلابد من الصبر أول الأمر لئلا يحرم العبد من المثوبة ولئن لم يصبر أول الصدمة فسيصبر بعد ذاك رغم أنفه ولا أجر له، قال حكيم:"العاقل يفعل في أول يوم من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد السبعة أيام". إن المبالغة في التشكي والتبرم لا يغير من الواقع شيئًا بل يزيد النفس همًا وكمدًا ولهذا قال الله لرسوله: (( قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون، فإنهم لا يكذبوك، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون. ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله، ولقد جاءك من نبأ المرسلين. وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء فتأتيهم بآية، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين ) ) [الأنعام/33-35] ، فأزال الوحشة عن قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أول آية بأن تكذيبهم ليس للرسول وإنما هو لله - تعالى -، ثم عزاه في الثانية وسلاه بما حدث لرسل الله فصبروا، ثم قال له: إن شق عليك إعراضهم وذهبت نفسك عليهم حسرات وضاق صدرك فليس لك إلا الصبر، وإلا فافعل ما بدا لك فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض تهرب منه أو سلمًا في السماء، تصعد عليه فدونك فافعل. [1]

الآفات المعيقة عن الصبر:

1-الاستعجال: النفس موكولة بحب العاجل (( خلق الإنسان من عجل ) )، فإذا أبطأ على الإنسان ما يريد نفد صبره وضاق صدره واستعجل قطف الثمرة قبل أوانها فلا هو ظفر بثمرة طيبة ولا هو أتم المسير، ولهذا قال الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم: (( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ولا تستعجل لهم ) )، أي العذاب فإن له يومًا موعودًا.

لقد باءت بعض الدعوات بالفشل ولم تؤت ثمرتها المرجوة بعلة الاستعجال، ولو أنهم صبروا لكان خيرًا لهم، ثار بعضهم على الطغيان ولما يقم على ساقه ويشتد عوده وتكتمل آلته وتنضج دعوته وتمتد قاعدته فقضي على الدعوة ووئد الداعية وذهب الاثنان في خبر كان. والحديث عن الاستعجال أطول من هذا ولكن في الإشارة للبيب ما يغني عن العبارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت