فهرس الكتاب

الصفحة 597 من 1236

فإن قيل: أليس أنه تعالى قال: { فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً موسى } [ طه: 67 ] .

قلنا: ليس في الآية أن هذه الخيفة إنما حصلت لأجل هذا السبب ، بل لعله عليه السلام خاف من وقوع التأخير في ظهور حجة موسى عليه السلام على سحرهم .

ثم إنه تعالى قال في صفة سحرهم: { وَجَاءو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } روي أن السحرة قالوا قد علمنا سحرًا لا يطيقه سحرة أهل الأرض إلا أن يكون أمرًا من السماء ، فإنه لا طاقة لنا به . وروي أنهم كانوا ثمانين ألفًا . وقيل: سبعين ألفًا . وقيل: بضعة وثلاثين ألفًا . واختلفت الروايات ، فمن مقل ومن مكثر ، وليس في الآية ما يدل على المقدار والكيفية والعدد .

ثم قال تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ } يحتمل أن يكون المراد من هذا الوحي حقيقة الوحي . وروى الواحدي عن ابن عباس: أنه قال: يريد وألهمنا موسى أن أَلْقِ عَصَاكَ .

ثم قال: { فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: فيه حذف وإضمار والتقدير { فألقاها فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ } .

المسألة الثانية: قرأ حفص عن عاصم { تَلْقَفْ } ساكنة اللام خفيف القاف ، والباقون بتشديد القاف مفتوحة اللام . وروي عن ابن كثير { تَلْقَفْ } بتشديد القاف . وعلى هذا الخلاف في طه والشعراء . أما من خفف فقال ابن السكيت: اللقف مصدر لقفت الشيء ألقفه لقفًا إذا أخذته ، فأكلته أو ابتلعته ، ورجل لقف سريع الأخذ ، وقال اللحياني: ومثله ثقف يثقف ثقًا وثقيف كلقيف بين الثقافة واللقافة ، وأما القراءة بالتشديد فهو من تلقف يتلقف ، وأما قراءة بن كثير فأصلها تتلقف أدغم إحدى التاءين في الأخرى .

المسألة الثالثة: قال المفسرون: لما ألقى موسى العصا صارت حية عظيمة حتى سدت الأفق ثم فتحت فكها فكان ما بين فكيها ثمانين ذراعًا وابتلعت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم ، فلما أخذها موسى صارت عصا كما كانت من غير تفاوت في الحجم والمقدار أصلًا . واعلم أن هذا مما يدل على وجود الإله القادر المختار وعلى المعجز العظيم لموسى عليه السلام ، وذلك لأن ذلك الثعبان العظيم لما ابتلعت تلك الحبال والعصي مع كثرتها ثم صارت عصا كما كانت فهذا يدل على أنه تعالى أعدم أجسام تلك الحبال والعصي ، أو على أنه تعالى فرق بين تلك الأجزاء وجعلها ذرات غير محسوسة وأذهبها في الهواء بحيث لا يحس بذهابها وتفرقها وعلى كلا التقديرين ، فلا يقدر على هذه الحالة أحد إلا الله سبحانه وتعالى .

المسألة الرابعة: قوله: { مَا يَأْفِكُونَ } فيه وجهان: الأول: معنى الإفك في اللغة قلب الشيء عن وجهه ، ومنه قيل للكذب إفك لأنه مقلوب عن وجهه . قال ابن عباس رضي الله عنهما: { مَا يَأْفِكُونَ } يريد يكذبون ، والمعنى: أن العصا تلقف ما يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزورونه وعلى هذ التقدير فلفظة { مَا } موصوله والثاني: أن يكون { مَا } مصدرية ، والتقدير: فإذا هي تلقف إفكهم تسمية للمأفوك بالإفك .

ثم قال تعالى: { فَوَقَعَ الحق } قال مجاهد والحسن: ظهر . وقال الفراء: فتبين الحق من السحر . قال أهل المعاني: الوقوع: ظهور الشيء بوجوده نازلًا إلى مستقره ، وسبب هذا الظهور أن السحرة قالوا لوكان ما صنع موسى سحرًا لبقيت حبالنا وعصينا ولم تفقد ، فلما فقدت ثبت أن ذلك إنما حصل بخلق الله سبحانه وتعالى وتقديره ، لا لأجل السحر ، فهذا هو الذي لأجله تميز المعجز عن السحر . قال القاضي قوله: { فَوَقَعَ الحق } يفيد قوة الثبوت والظهور بحيث لا يصح فيه البطلان كما لا يصح في الواقع أن يصير لا واقعًا .

فإن قيل: قوله: { فَوَقَعَ الحق } يدل على قوة هذا الظهور ، فكان قوله: { وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تكريرًا من غير فائدة!

قلنا: المراد أن مع ثبوت هذا الحق زالت الأعيان التي أفكوها وهي تلك الحبال والعصي ، فعند ذلك ظهرت الغلبة ، فلهذا قال تعالى: { فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ } لأنه لا غلبة أظهر من ذلك { وانقلبوا صاغرين } لأنه لا ذل ولا صغار أعظم في حق المبطل من ظهور بطلان قوله وحجته ، على وجه لا يمكن فيه حيلة ولا شبهة أصلًا قال الواحدي: لفظة { مَا } في قوله: { وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } يجوز أن تكون بمعنى «الذي» فيكون المعنى بطل الحبال والعصي الذي عملوا به السحر أي زال وذهب بفقدانها ويجوز أن تكون بمعنى المصدر كأنه قيل بطل عملهم ، والله أعلم .

وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122)

في الآية مسائل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت