والفائدة الثانية: أن قوله { صَبْرًا } مذكور بصيغة التنكير ، وذلك يدل على الكمال والتمام ، أي صبرًا كاملًا تامًا كقوله تعالى: { وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة } [ البقرة: 96 ] أي على حياة كاملة تامة .
والفائدة الثالثة: إن ذلك الصبر من قبلهم ومن أعمالهم ، ثم إنهم طلبوه من الله تعالى ، وذلك يدل على أن فعل العبد لا يحصل إلا بتخليق الله وقضائه . قال القاضي: إنما سألوه تعالى الألطاف التي تدعوهم إلى الثبات والصبر ، وذلك معلوم في الأدعية .
والجواب: هذا عدول عن الظاهر ، ثم الدليل يأباه ، وذلك لأن الفعل لا يحصل إلا عند حصول الداعية الجازمة وحصولها ليس إلا من قبل الله عز وجل ، فيكون الكل من الله تعالى .
وأما قوله: { وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } فمعناه توفنا على الدين الحق الذي جاء به موسى عليه السلام وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: احتج أصحابنا على أن الإيمان والإسلام لا يحصل إلا بخلق الله تعالى ، ووجه الاستدلال به ظاهر . والمعتزلة يحملونه على فعل الألطاف والكلام عليه معلوم مما سبق .
المسألة الثانية: احتج القاضي بهذه الآية على أن الإيمان والإسلام واحد . فقال إنهم قالوا أولًا { ءَامَنَّا بئايات رَبِّنَا } ثم قالوا ثانيًا: { وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } فوجب أن يكون هذا الإسلام هو ذاك الإيمان ، وذلك يدل على أن أحدهما هو الآخر والله أعلم .
وقال الألوسي (1) :
قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111)
أي أخر أمرهما وأصدرهما عنك ولا تعجل في أمرهما حتى ترى رأيك فيهما ، وقيل: احبسهما ، واعترض بأنه لم يثبت منه الحبس .
وأجيب بأن الأمر به لا يوجب وقوعه؛ وقيل عليه أيضًا: إنه لم يكن قادرًا على الحبس بعد أن رأى ما رأى ، وقوله: { لاجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين } [ الشعراء: 29 ] في الشعراء كان قبل هذا ، وأجيب بأن القائلين لعلهم لم يعلموا ذلك منه ، وقال أبو منصور: الأمر بالتأخير دل على أنه تقدم منه أمر آخر وهو الهم بقتله ، فقالوا: أخره ليتبين حاله للناس ، وليس بلازم كما لا يخف؛ وأصل أرجه أرجئه بهمزة ساكنة وهاء مضمونة دون واو ثم حذفت الهمزة وسكنت الهاء لتشبيه المنفصل بالمتصل ، وجعل جه وكابل في إسكان وسطه ، وبذلك قرأ أبو عمرو . وأبو بكر . ويعقوب على أنه من أرجات ، وكذلك قراءة ابن كثير . وهشام . وابن عامر { *أرجئهو } بهمزة ساكنة وهاء متصلة بواو الاشباع .
وقرأ نافع في رواية ورش . وإسماعيل . والكسائي { أرجهي } بهاء مكسورة بعدها ياء من أرجيت ، وفي رواية قالون { ءانٍ أَرْجِهْ } بحذف الياء للاكتفاء عنها بالكسرة ، وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان { *أرجئه } بالهمزة وكسر الهاء ، وقد ذكر بعضهم أن ضم الهاء وكسرها والهمز وعدمه لغتان مشهورتان ، وهل هما ماذتان أو الياء بدل من الهمزة كتوضأت وتوضيت؟ قولان ، وطعن في القراءة على رواية ابن ذكوان ، فقال الحوفي: إنها ليست بجيدة ، وقال الفارسي: إن ضم الهاء مع الهمزة لا يجوز غيره وكسرها غلط لأن الهاء لا تكسر إلا بعد ياء ساكنة أو كسرة ، وأجيب كما قال الشهاب عنه بوجهين: أحدهما: أن الهمزة ساكنة والحرف الساكن حاجز غير حصين فكأن الهاء وليت الجيم المكسورة فلذا كسرت ، والثاني: أن الهمزة عرضة للتغيير كثيرًا بالحذف وإبدالها ياء إذا سكنت بعد كسرة فكأنها وليست ياء ساكنة فلذا كسرت . وأورد على ذلك أو شامة أن الهمزة تعد حاجزًا وأن الهمزة لو كانت ياء كان المختار الضم نظرًا لأصلها وليس بشيء بعد أن قالوا: إن القراءة متواترة وما ذكر لغة ثابتة عن العرب ، هذا واستشكل الجمع بين ما هنا وما في الشعراء فإن فيها { قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } [ الشعراء: 34 ، 35 ] وهو صريح في أن { إِنَّ هذا لساحر } إلى { فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } [ الأعراف: 109 ، 110 ] كلام فرعون وما هنا صريح في نسبة قول ذلك للملا والقصة واحدة فكيف يختلف القائل في الموضعين وهل هذا إلا منافاة؟ وأجيب بأنه لا منافاة لاحتمالين . الأول: أن هذا الكلام قاله فرعون والملأ من قومه فهو كوقع الحافر على الحافر فنقل في الشعراء كلامه وهنا كلامهم ، والثاني: أن هذا الكلام قاله فرعون ابتداء ثم قاله الملأ إما بطريق الحكاية لأولادهم وغيرهم وإما بطريق التبليغ لسائر الناس فما في الشعراء كلام فرعون ابتداء وما هنا كلام الملا نقلًا عنه .
(1) - تفسير الألوسي - (ج 6 / ص 297)