فهرس الكتاب

الصفحة 610 من 1236

أرسلتَ فيها مُصْعَبا ذَا إقحام ... وقد جاء ( بَعَثَ ) على ذلك في قوله: { ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرًا } [ الفرقان: 51 ] ، وقد تقدم آنفًا قريب منه عند قوله تعالى: { وما أرسلنا في قرية من نبي } [ الأعراف: 94 ] .

والمَدائن: جمع مدينة ، وهي بوزن فعيلة ، مشتقة من مَدَن بالمكان إذا أقام ولعل ( مَدَن ) هو المشتق من المدينة لا العكس ، وأيًّا ما كان فالأظهر أن ميم مدينة أصلية ولذلك جمعت على مدائن بالهمزة كما قالوا ( صَحَائف ) جمع صحيفة . ولو كانت مَفْعَلة من دانه لقالوا في الجمع مداين بالياء مثل معايش .

ومداين مصر في ذلك الزمن كثيرة وسنذكر بعضها عند قوله تعالى: { فأرسل فرعون في المدائن حاشرين }

في سورة الشعراء ( 53 ) . قيل أرادوا مدائن الصعيد وكانت مقر العلماء بالسحر . والحاشرون الذين يحشرون الناس ويجمعونهم .

والشأن أن يكون ملأ فرعون عقلاءَ أهلَ سياسة ، فعلموا أن أمر دعوة موسى لا يكاد يخفى . وأن فرعون إنْ سجنه أو عاند ، تحقق الناس أن حجة موسى غلبت ، فصار ذلك ذريعة للشك في دين فرعون ، فرأوا أن يلاينوا موسى ، وطمعوا أن يوجد في سحَرة مصر من يدافع آيات موسى ، فتكون الحجة عليه ظاهرة للناس .

وجَزْم { يأتوك } على جواب الأمر للدلالة على شدة اتصال السببية بين الإرسال والإتيان ، فالتقدير: إنْ تُرْسل يأتُوك ، وقد قيل: في مثله إنه مجزوم بلام الأمر محْذوفة ، على أن الجملة بدل من { أرسلْ } بدلَ اشتمال . أي: أرسلهم آمرًا لهم فليأتوك بكل ساحر عليم ، وهذا الاستعمال كثير في كلام العرب مع فعل القول نحو: { قل لعباديَ الذين آمنوا يُقيموا الصلاة } [ إبراهيم: 31 ] فكذلك ما كان فيه معنى القول كما هنا .

و ( كل ) مستعمل في معنى الكثرة ، أي: بجمع عظيم من السحرة يشبه أن يكون جميع ذلك النوع .

وقرأ الجمهور: { بكل ساحر } وقرأ جمزة ، والكسائي ، وخلف: { بكل سَحّار } ، على المبالغة في معرفة السحر ، فيكون وصف { عليم } تأكيدًا لمعنى المبالغة لأن وصف { عليم } الذي هو من أمثلة المبالغة للدلالة على قوة المعرفة بالسحر ، وحذف متعلق { عليم } لأنه صار بمنزلة أفعال السجايا . والمقام يدل على أن المراد قوة علم السحر له . عطفت جملة { وجاء السحرة } على جملة: { قالوا أرجه وأخاه وأرْسلْ في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم } [ الأعراف: 111 ، 112 ] وفي الكلام إيجاز حذف . والتقدير: قالوا أرجه وأخاه وأرسل الخ ، فأرسل فرعون في المدائن حاشرين فحشروا وجاء السحرة من المدائن فحضروا عند فرعون .

فالتعريف في قوله: { السحرة } تعريف العهد . أي السحرة المذكورون ، وكان حضور السحرة عند فرعون في اليوم الذي عينه موسى للقاء السحرة وهو المذكور في سورة طه .

وجملة: { قالوا إن لنا لأجرًا } استئناف بياني بتقدير سؤال من يسأل: ماذا صدر من السحرة حين مثُلوا بين يدي فرعون؟ .

وقرأ نافع ، وابن كثير ، وحفص ، وأبو جعفر { إن لنا لأجرًا } ابتداء بحرف ( إن ) دون همزة استفهام ، وقرأه الباقون بهمزة استفهام قبل ( إن ) .

وعلى القراءتين فالمعنى على الاستفهام ، كما هو ظاهر الجواب ب { نعم } ، وهمزة الاستفهام محذوفة تخفيفًا على القراءة الأولى ، ويجوز أن يكون المعنى عليها أيضًا على الخبرية لأنهم وثقوا بحصول الأجر لهم ، حتى صيروه في حيز المخبر به عن فرعون ، ويكون جواب فرعون ب { نعم } تقريرًا لما أخبروا به عنه .

وتنكير { أجرًا } تنكير تعظيم بقرينة مقام المَلِك وعظم العمل ، وضمير { نحن } تأكيد لضمير { كنا } إشعارًا بجدارتهم بالغلَب ، وثقتهم بأنهم أعلم الناس بالسحر ، فأكدوا ضميرهم لزيادة تقرير مدلوله ، وليس هو بضمير فصل إذ لا يقصد إرادة القصر ، لأن إخبارهم عن أنفسهم بالغالبين يغني عن القصر ، إذ يتعين أن المغلوب في زعمهم هو موسى عليه السلام .

وقول فرعون { نعم } إجابة عما استفهموا ، أو تقرير لما توسموا: على الاحتمالين المذكورين في قوله: { إن لنا لأجرًا } آنفًا ، فحرف ( نعم ) يقرر مضمون الكلام الذي يجاب به ، فهو تصديق بعد الخبر ، وإعلام بعد الاستفهام ، بحصول الجانب المستفهم عنه ، والمعنيان محتملان هنا على قراءة نافع ومن وافقه ، وأما على قراءة غيرهم فيتعين المعنى الثاني .

وعُطف جملة: { إنكم لمن المقربين } على ما تضمنه حرف الجواب إذ التقدير: نعم لكم أجر وإنكم لمن المقربين ، وليس هو من عطف التلقين: لأن التلقين إنما يعتبر في كلامين من متكلميْن لا من متكلم واحد .

وفصلت جملة: { قالوا يا موسى } لوقوعها في طريقة المحاورة بينهم وبين فرعون وموسى ، لأن هؤلاء هم أهل الكلام في ذلك المجمع .

و { إمّا } حرف يدل على الترديد بين أحد شيئين أو أشياء ، ولا عمل له ولا هو معمول ، وما بعده يكون معمولًا للعامل الذي في الكلام . ويَكون ( إما ) بمنزلة جزء كلمة مثل أل المعرفة ، كقول تأبط شرًا:

هُمَا خُطّتَا إما إسارٍ ومنّةٍ ... وإمّا دَممٍ والموتُ بالحر أجدر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت