فهرس الكتاب

الصفحة 612 من 1236

و { أن } تفسيرية لفعل { أوحينا } ، والفاء للتعقيب الدال على سرعة مفاجأة شروعها في التلقف بمجرد إلقائها ، وقد دل السياق على جملتين محذوفتين ، إذ التقدير: فألقاها فدبّت فيها الحياة وانقلبت ثعبانًا فإذا هي تلقف ، دل على الجملة الأولى الأمر بالإلقاء ، وعلى الجملة الثانية التلقف لأنه من شأن الحيوان ، والعصا إذا دبت فيها الحياة صارت ثعبانًا بدون تبديل شكل .

والتلقف: مبَالغة في اللقف وهو الابتلاع والازدراد .

و { ما } موصولة والعائد محذوف أي: ما يأفكونه . والإفك: الصرف عن الشيء ويسمى الزور إفكًا ، والكذب المصنوعُ إفكًا ، لأن فيه صرفًا عن الحق وإخفاء للواقع ، فلا يسمى إفكًا إلاّ الكذبُ المصطنع المموه ، وإنما جعل السحر إفكًا لأن ما يظْهَر منه مخالف للواقع فشبه بالخبر الكاذب .

وقرأ الجمهور { تَلَقّفَ } بقاف مشددة ، وأصله تتلقف ، أي تبالغ وتتكلف اللقف ما استطاعت ، وقرأ حفص عن عاصم: بسكون اللام وتخفيف القاف على صيغة المجرد .

والتعبير بصيغة المضارع في قوله: { تَلقف } و { يأفكون } للدلالة على التجديد والتكرير ، مع استحضار الصورة العجيبة ، أي: فإذا هي يتجدد تلقفها لِما يتجدد ويتكرر من إفكهم . وتسمية سحرهم إفكًا دليل على أن السحر لا معمول له وأنه مجرد تخييلات وتمويهات .

وقوله { فوقع الحق } تفريع على { تلقّف ما يأفكون } . والوقوع حقيقته سقوط الشيء من أعلى إلى الأرض ، ومنه: وقَع الطائر ، إذا نَزَل إلى الأرض ، واستعير الوقوع لظهور أمر رفيع القدر ، لأن ظهوره كان بتأييد الهي فشبه بشيء نزل من علو ، وقد يطلق الوقوع على الحصول لأن الشيء الحاصل يشبه النازل على الأرض ، وهي استعارة شائعة قال تعالى: { وإن الدين لَواقع } [ الذاريات: 6 ] أي: حاصل وكائن ، والمعنى فظهر الحق وحصل .

ولعل في اختيار لفظ ( وقع ) ، هنا دون ( نزل ) مراعاة لفعل الإلقاء لأن الشيء الملقَى يقع على الأرض فكانَ وقوع العصا على الأرض وظهور الحق مقترنين .

و { الحق } : هو الأمر الثابت الموافق للبرهان ، وضده الباطل ، والحق هنا أريد به صدق موسى وصحة معجزته وكون ما فعلته العصا هو من صنع الله تعالى ، وأثَرِ قدرته .

و { بطل } : حقيقته اضمحل . والمراد: اضمحلال المقصود منه وانتفاء أثَرٍ مزعوم لشيء يقال: بطَل سعيه ، أي: لم يأت بفائدة ، ويقال: بطَل عمله ، أي: ذهب ضياعًا وخُسر بلا أجر ، ومنه قوله تعالى: { ويُبْطلُ الباطلَ } [ الأنفال: 8 ] أي: يزيل مفعوله وما قصدوه منه ، فالباطل هو الذي لا فائدة فيه ، أو لا خير فيه ، ومنه سمي ضد الحق باطلًا لأنه شيء لا يحصل منه الأثر المرجو ، وهو القبول لدى العقول المستقيمة .

وشاع هذا الإطلاق حتى صار الباطل كالاسم الجامد ، مدلوله هو ضد الحق ، ويطلق الباطل اسمَ فاعل من بطَل ، فيساوي المصدر في اللفظ ، ويتعين المراد منهما بالقرينة ، فصوغ فعل بطل يكون مشتقًا من المصدر وهو البطلان ، وقد يكون مشتقًا من الاسم وهو الباطل . فمعنى { بطل } حينئذٍ وُصف بأنه باطل مثل فَهِد وأسد ، ويصح تفسيره هنا بالمعنيين ، فعلى الأول يكون المعنى: وانتفت حينئذٍ آثار ما كانوا يعملون ، وعلى الثاني يكون المعنى: واتصف ما يعملون بأنه باطل ، وعلى هذا الوجه يتعين أن يكون المراد من الفعل معنى الظهور لا الحدوث ، لأن كون ما يعملونه باطلًا وصف ثابت له من قبللِ أن يُلقيَ موسى عصاه ، ولكن عند إلقاء العصا ظهر كونه باطلًا ، ويبعّد هذا أن استعمال صيغة الفعل في معنى ظهور حدثه لا في معنى وجوده وحدوثه ، خلافُ الأصل فلا يصار إليه بلا دَاع .

وأما من فسر { بطل } بمعنى: العدم . وفسر { ما كانوا يعملون } بحبال السحرة وعصيهم ففي تفسيره نبُو عن الاستعمال ، وعن المقام .

وزيادة قوله: { وبطل ما كانوا يعملون } بعد قوله: { فوقع الحق } تقرير لمضمون جملة { فوقع الحق } لتسجيل ذم عملهم ، ونداءٌ بخيبتهم ، تأنيسًا للمسلمين وتهديدًا للمشركين وللكافرين أمثالها .

و { ما كانوا يعملون } هو السحر ، أي: بطلت تخيلات الناس أن عصي السحرة وحبالهم تسعى كالحيات ، ولم يعبّر عنه بالسحر إشارة إلى أنه كان سحرًا عجيبًا تكلفوا له وأَتوا بمنتهى ما يعرفونه .

وقد عطف عليه جملة { فغُلبوا } بالفاء لحصول المغلوبية إثر تلقف العصا لإفكهم .

و { هنالك } اسم إشارة المكان أي غلبوا في ذلك المكان فأفاد بداهة مغلوبيتهم وظهورها لكل حاضر .

والانقلاب: مطاوع قَلَبَ والقلب تغيير الحال وتبدله ، والأكثر أن يكون تغييرًا من الحال المعتادة إلى حال غريبة .

ويطلق الانقلاب شائعًا على الرجوع إلى المكان الذي يخرج منه ولأن الراجع قد عكس حال خروجه .

وانقلب من الأفعال التي تجيء بمعنى ( صار ) وهو المراد هنا أي: صاروا صاغرين . واختيار لفظ { انقلبوا } دون ( رَجعُوا ) أو ( صاروا ) لمناسبته للفظ غُلبوا في الصيغة ، ولما يشعر به أصل اشتقاقه من الرجوع إلى حال أدون ، فكان لفظ ( انقلبوا ) أدخل في الفصاحة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت