فهرس الكتاب

الصفحة 616 من 1236

وقال السيد رحمه الله (1) :

فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين . ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين) . .

إنها المفاجأة ! إن العصا تنقلب ثعبانًا لا شك في ثعبانيته . . (مبين) . . وكما قيل في سورة أخرى: (فإذا هي حية تسعى) . . ثم إن يده السمراء - وقد كان موسى عليه السلام"آدم"أي مائلًا إلى السمرة - يخرجها من جيبه فإذا هي بيضاء من غير سوء , بيضاء ليست عن مرض , ولكنها المعجزة , فإذا أعادها إلى جيبه عادت سمراء !

هذه هي البينة والآية على الدعوى التي جاء بها موسى . . إني رسول من رب العالمين .

ولكن هل يستسلم فرعون وملؤه لهذه الدعوى الخطيرة ? هل يستسلمون لربوبية رب العالمين ? وعلام إذن يقوم عرش فرعون وتاجه وملكه وحكمه ? وعلام يقوم الملأ من قومه ومراكزهم التي هي من عطاء فرعون ورسمه وحكمه ?

علام يقوم هذا كله إن كان الله هو (رب العالمين) ?

إنه إن كان الله هو (رب العالمين) فلا حكم إلا لشريعة الله , ولا طاعة إلا لأمر الله . . فأين يذهب شرع فرعون وأمره إذن , وهو لا يقوم على شريعة الله ولا يرتكن إلى أمره ? . . إن الناس لا يكون لهم (رب) آخر يعبدهم لحكمه وشرعه وأمره , إن كان الله هو ربهم . . إنما يخضع الناس لشرع فرعون وأمره حين يكون ربهم هو فرعون . فالحاكم - بأمره وشرعه - هو رب الناس . وهم في دينه أيًا كان !

كلا ! إن الطاغوت لا يستسلم هكذا من قريب . ولا يسلم ببطلان حكمه وعدم شرعية سلطانه بمثل هذه السهولة !

وفرعون وملؤه يخطئون فهم مدلول هذه الحقيقة الهائلة التي يعلنها موسى . بل إنهم ليعلنونها صريحة . ولكن مع تحويل الأنظار عن دلالتها الخطيرة , باتهام موسى بأنه ساحر عليم:

(قال الملأ من قوم فرعون:إن هذا لساحر عليم . يريد أن يخرجكم من أرضكم . فماذا تأمرون ?) . .

إنهم يصرحون بالنتيجة الهائلة التي تتقرر من إعلان تلك الحقيقة . إنها الخروج من الأرض . . إنها ذهاب السلطان . . إنها إبطال شرعية الحكم . . أو . . محاولة قلب نظام الحكم ! . . بالتعبير العصري الحديث !

إن الأرض لله . والعباد لله . فإذا ردت الحاكمية في أرض لله , فقد خرج منها الطغاة , الحاكمون بغير شرع الله ! أو خرج منها الأرباب المتألهون الذين يزاولون خصائص الألوهية بتعبيد الناس لشريعتهم وأمرهم . وخرج منها الملأ الذين يوليهم الأرباب المناصب والوظائف الكبرى , فيعبدون الناس لهذه الأرباب !

هكذا أدرك فرعون وملؤه خطورة هذه الدعوة . . وكذلك يدركها الطواغيت في كل مرة . . لقد قال الرجل العربي - بفطرته وسليقته - حين سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله:"هذا أمر تكرهه الملوك !". وقال له رجل آخر من العرب بفطرته وسليقته:"إذن تحاربك العرب والعجم". . لقد كان هذا العربي وذاك يفهم مدلولات لغته . كان يفهم أن شهادة أن لا إله إلا الله ثورة على الحاكمين بغير شرع الله عربًا كانوا أم عجمًا ! كانت لشهادة أن لا إله إلا الله جديتها في حس هؤلاء العرب , لأنهم كانوا يفهمون مدلول لغتهم جيدًا . فما كان أحد منهم يفهم أنه يمكن أن تجتمع في قلب واحد , ولا في أرض واحدة . شهادة أن لا إله إلا الله , مع الحكم بغير شرع الله ! فيكون هناك آلهة مع الله ! ما كان أحد منهم يفهم شهادة أن لا إله إلا الله كما يفهمها اليوم من يدعون أنفسهم"مسلمين". . ذلك الفهم الباهت التافه الهزيل !

وهكذا قال الملأ من قوم فرعون , يتشاورون مع فرعون:

(إن هذا لساحر عليم . يريد أن يخرجكم من أرضكم . فماذا تأمرون ?) .

واستقر رأيهم على أمر:

(قالوا:أرجه وأخاه , وأرسل في المدائن حاشرين , يأتوك بكل ساحر عليم) . .

وكانت أرض مصر تموج بالكهنة في شتى المعابد . وكان الكهنة هم الذين يزاولون أعمال السحر . ففي الوثنيات كلها تقريبًا يقترن الدين بالسحر ; ويزاول السحر كهنة الديانات وسدنة الآلهة ! وهذه الظاهرة هي التي يلتقطها"علماء الأديان !"فيتحدث بعضهم عن السحر كمرحلة من مراحل تطور العقيدة ! ويقول الملحدون منهم:إن الدين سيبطل كما بطل السحر ! وإن العلم سينهي عهد الدين كما أنهى عهد السحر ! . . إلى آخر هذا الخبط الذي يسمونه:"العلم"!

وقد استقر رأي الملأ من قوم فرعون , على أن يرجىء فرعون موسى إلى موعد . وأن يرسل في أنحاء البلاد من يجمع له كبار السحرة . ذلك ليواجهوا"سحر موسى"- بزعمهم - بسحر مثله .

وعلى كل ما عرف من طغيان فرعون , فقد كان في تصرفه هذا أقل طغيانًا من طواغيت كثيرة في القرن العشرين ; في مواجهة دعوة الدعاة إلى ربوبية رب العالمين ! وتهديد السلطان الباطل بهذه الدعوة الخطيرة !

الدرس الثالث:113-114 استعداد السحرة للمبارة

ويطوي السياق القرآني إجراء فرعون وملئه في جمع السحرة من المدائن ; ويسدل الستار على المشهد الأول , ليرفعه على المشهد التالي . . وذلك من بدائع العرض القرآني للقصص , كأنه واقع منظور , لا حكاية تروى !

(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 191)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت