والحسرة: الغم والحزن على ما فات ، والندم عليه ندما لا نفع من ورائه ، كأن المتحسر قد انحسرت عنه قواه وذهبت ، وصار في غير استطاعته إرجاعها .
و"يا"حرف نداء و"حسرة"منادى ونداؤها على المجاز بتنزيلها منزلة العقلاء .
والمراد بالعباد: أولئك الذين كذبوا الرسل ، وآثروا العمى على الهدى ، ويدخل فيهم دخولا أوليا أصحاب تلك القرية المهلكة كانوا في دنياهم ما يأتيهم من رسول من الرسل ، إلا كانوا به يستهزئون ، ويتغامزون ، ويستخفون به وبدعوته ، مع أنهم - لو كانوا يعقلون . لقابلوا دعوة رسلهم بالطاعة والانقياد .
قال صاحب الكشاف: قوله: { ياحسرة عَلَى العباد . . . } نداء للحسرة عليهم ، كأنما قيل لها: تعالى يا حسرة فهذه من أحوالك التى حقك أن تحضرى فيها ، وهى حال استهزائهم بالرسل .
والمعنى: أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون ، ويتلهف علهيم المتلهفون . أو هم متحسر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين .
وقرئ: يا حسرة العباد منهم على أنفسهم ، بسبب تكذيبهم لرسلهم ، واستهزائهم بهم .
وقال السيد رحمه الله (1) :
لم يذكر القرآن من هم أصحاب القرية ولا ما هي القرية . وقد اختلفت فيها الروايات . ولا طائل وراء الجري مع هذه الروايات .
وعدم إفصاح القرآن عنها دليل على أن تحديد اسمها أو موضعها لا يزيد شيئًا في دلالة القصة وإيحائها . ومن ثم أغفل التحديد , ومضى إلى صميم العبرة ولبابها . فهي قرية أرسل الله إليها رسولين . كما أرسل موسى وأخاه هارون - عليهما السلام - إلى فرعون وملئه . فكذبهما أهل تلك القرية , فعززهما الله برسول ثالث يؤكد أنه وأنهما رسل من عند الله . وتقدموا ثلاثتهم بدعواهم ودعوتهم من جديد (فقالوا:إنا إليكم مرسلون) . .
هنا اعترض أهل القرية عليهم بالاعتراضات المكرورة في تاريخ الرسل والرسالات . .
(قالوا:ما أنتم إلا بشر مثلنا) . . (وما أنزل الرحمن من شيء) . . (إن أنتم إلا تكذبون) . .
وهذا الاعتراض المتكرر على بشرية الرسل تبدو فيه سذاجة التصور والإدراك , كما يبدو فيه الجهل بوظيفة الرسول . قد كانوا يتوقعون دائمًا أن يكون هناك سر غامض في شخصية الرسول وحياته تكمن وراءه الأوهام والأساطير . . أليس رسول السماء إلى الأرض فكيف لا تحيط به الأوهام والأساطير ? كيف يكون شخصية مكشوفة بسيطة لا أسرار فيها ولا ألغاز حولها ?! شخصية بشرية عادية من الشخصيات التي تمتلىء بها الأسواق والبيوت ?!
وهذه هي سذاجة التصور والتفكير . فالأسرار والألغاز ليست صفة ملازمة للنبوة والرسالة . وليست في هذه الصورة الساذجة الطفولية . وإن هنالك لسرًا هائلًا ضخمًا , ولكنه يتمثل في الحقيقة البسيطة الواقعة . حقيقة إيداع إنسان من هؤلاء البشر الاستعداد اللدني الذي يتلقى به وحي السماء , حين يختاره الله لتلقي هذا الوحي العجيب . وهو أعجب من أن يكون الرسول ملكًا كما كانوا يقترحون !
والرسالة منهج إلهي تعيشه البشرية . وحياة الرسول هي النموذج الواقعي للحياة وفق ذلك المنهج الإلهي . النموذج الذي يدعو قومه إلى الاقتداء به . وهم بشر . فلا بد أن يكون رسولهم من البشر ليحقق نموذجًا من الحياة يملكون هم أن يقلدوه .
ومن ثم كانت حياة الرسول صلى الله عليه وسلم معروضة لأنظار أمته . وسجل القرآن - كتاب الله الثابت - المعالم الرئيسية في هذه الحياة بأصغر تفصيلاتها وأحداثها , بوصفها تلك الصفحة المعروضة لأنظار أمته على مدار السنين والقرون . ومن هذه التفصيلات حياته المنزلية والشخصية . حتى خطرات قلبه سجلها القرآن في بعض الأحيان , لتطلع عليها الأجيال وترى فيها قلب ذلك النبي الإنسان .
ولكن هذه الحقيقة الواضحة القريبة هي التي ظلت موضع الاعتراض من بني الإنسان !
ولقد قال أهل تلك القرية لرسلهم الثلاثة: (ما أنتم إلا بشر مثلنا) . . وقصدوا أنكم لستم برسل . . (وما أنزل الرحمن من شيء) . . مما تدعون أنه نزله عليكم من الوحي والأمر بأن تدعونا إليه . (إن أنتم إلا تكذبون) . . وتدعون أنكم مرسلون !
وفي ثقة المطمئن إلى صدقه , العارف بحدود وظيفته أجابهم الرسل:
(قالوا:ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون . وما علينا إلا البلاغ المبين) . .
إن الله يعلم . وهذا يكفي . وإن وظيفة الرسل البلاغ . وقد أدوه . والناس بعد ذلك أحرار فيما يتخذون لأنفسهم من تصرف . وفيما يحملون في تصرفهم من أوزار . والأمر بين الرسل وبين الناس هو أمر ذلك التبليغ عن الله ; فمتى تحقق ذلك فالأمر كله بعد ذلك إلى الله .
ولكن المكذبين الضالين لا يأخذون الأمور هذا المأخذ الواضح السهل اليسير ; ولا يطيقون وجود الدعاة إلى الهدى (فتأخذهم العزة بالإثم) ويعمدون إلى الأسلوب الغليظ العنيف في مقاومة الحجة لأن الباطل ضيق الصدر عربيد:
(قالوا:إنا تطيرنا بكم ! لئن لم تنتهوا لنرجمنكم , وليمسنكم منا عذاب أليم) . .
قالوا:إننا نتشاءم منكم ; ونتوقع الشر في دعوتكم ; فإن لم تنتهوا عنها فإننا لن نسكت عليكم , ولن ندعكم في دعوتكم: (لنرجمنكم , وليمسنكم منا عذاب أليم) . .
(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 398)