فهرس الكتاب

الصفحة 644 من 1236

قوله تعالى: { وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأرض } أي بإيقاع الفرقة وتشتيت الشَّمل . { وَيَذَرَكَ } بنصب الراء جواب الاستفهام ، والواو نائبة عن الفاء . { وَآلِهَتَكَ } قال الحسن: كان فرعون يعبد الإصنام ، فكان يَعْبُد ويُعْبَد . قال سليمان التيِميُّ: بلغني أن فرعون كان يعبد البقر . قال التيِميّ: فقلت للحسن هل كان فرعون يعبد شيئًا؟ قال نعم ، إنه كان يعبد شيئًا كان قد جعله في عنقه . وقيل: معنى «وآلهتك» أي وطاعتك ، كما قيل في قوله تعالى: { اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ الله } [ التوبة: 31 ] إنهم ما عبدوهم ولكن أطاعوهم؛ فصار تمثيلًا . وقرأ نُعيم بن ميسرة «وَيَذَرُكَ» بالرفع على تقدير وهو يَذرُكَ . وقرأ الأشهب العقيليّ «وَيَذرْك» مجزومًا مخفف يذرُك لثقل الضمة . وقرأ أنس ابن مالك «ونذرُك» بالرفع والنون . أخبروا عن أنفسهم أنهم يتركون عبادته إن ترك موسى حيًَّا . وقرأ عليّ بن أبي طالب وابن عباس والضحّاك «وإلاَهتك» ومعناه وعبادتك . وعلى هذه القراءة كان يُعْبَد ولا يَعْبُد ، أي ويترك عبادته لك . قال أبو بكر الأنباريّ: فَمن مذهب أصحاب هذه القراءة أن فرعون لما قال: { أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى } [ النازعات: 24 ] و { مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي } [ القصص: 38 ] نفى أن يكون له رب وإلاهة . فقيل له: ويذرك وإلاهتك؛ بمعنى ويتركك وعبادة الناس لك . وقراءة العامة «وَآلهِتَكَ» كما تقدّم وهي مبنية على أن فرعون ادعى الرُّبُوبيّة في ظاهر أمره وكان يعلم أنه مَرْبُوب . ودليل هذا قولُه عند حضور الحمام { آمَنتُ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيلَ } [ يونس: 90 ] فلم يقبل هذا القول منه لما أتى به بعد إغلاق باب التوبة . وكان قبل هذه الحال له إله يعبده سرًا دون رب العالمين جل وعز؛ قاله الحسن وغيره . وفي حرف أبَيّ «أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض وقد تركوك أن يعبدوك» . وقيل: والإهتك» قيل: كان يعبد بقرة ، وكان إذا استحسن بقرة أمر بعبادتها ، وقال: أنا ربكم ورب هذه . ولهذا قال: { فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا } [ طاه: 18 ] . ذكره ابن عباس والسُّدِّي . قال الزجاج: كان له أصنام صغار يعبدها قومُه تقربًا إليه فنُسبت إليه؛ ولهذا قال: «أَنَا رَبُّكُمُ الأعلى» . قال إسماعيل بن إسحاق: قول فرعون: «أنا ربُّكُم الأعلى» . يدل على أنهم كانوا يعبدون شيئًا غيره . وقد قيل: إن المراد بالإلاهة على قراءة ابن عباس البقرة التي كان يعبدها . وقيل: أرادوا بها الشمس وكانوا يعبدونها . قال الشاعر:

وأعْجَلْنَا الإلاهة أن تَؤُبَا ... ثم آنس قومه فقال: «سَنَقْتُلُ أبْنَاءَهُمْ» بالتخفيف ، قراءة نافع وابن كثير . والباقون بالتشديد على التكثير . { وَنَسْتَحْيِي نِسَآءَهُمْ } أي لا تخافوا جانبهم . { وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ } آنسهم بهذا الكلام . ولم يقل سنقتل موسى لعلمه أنه لا يقدر عليه . وعن سعيد بن جُبير قال: كان فرعون قد مُلىء من موسى رُعْبًا؛ فكان إذا رآه بال كما يبول الحمار . ولما بلغ قوم موسى من فرعون هذا قال لهم موسى: { استعينوا بالله واصبروا إِنَّ الأرض للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ } أطمعهم في أن يورثهم الله أرض مصر . { والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ } أي الجنة لمن اتقى وعاقبة كل شيء . آخره . ولكنها إذا أطلقت فقيل: العاقبة لفلان فُهِم منه في العُرْف الخير .

قوله تعالى: { قالوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا } أي في ابتداء ولادتك بقتل الأبناء واسترقاق النساء . { وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا } أي والآن أُعِيد علينا ذلك؛ يعنون الوعيد الذي كان من فرعون . وقيل: الأذى من قبلُ تسخيرهم لبني إسرائيل في أعمالهم إلى نصف النهار ، وإرسالهم بقيته ليكتسبوا لأنفسهم . والأذى من بعدُ: تسخيرُهم جميع النهار كله بلا طعام ولا شراب؛ قاله جُوَيْبر . وقال الحسن: الأذى من قبلُ ومن بعدُ واحد ، وهو أخذ الجزية . { قَالَ عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرض } «عسى» من الله واجب؛ جدّد لهم الوعد وحقّقه . وقد استخلفوا في مصر في زمان داود وسليمان عليهما السلام ، وفَتحُوا بيت المقدس مع يُوشَع بن نون؛ كما تقدّم . ورُوي أنهم قالوا ذلك حين خرج بهم موسى وتبعهم فرعون فكان وراءهم والبحر أمامهم ، فحقّق الله الوعيد بأن غرّق فرعون وقومه وأنجاهم . { فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } تقدّم نظائره . أي يرى ذلك العمل الذي يجب به الجزاء؛ لأن الله لا يجازيهم على ما يعلمه منهم ، إنما يجازيهم على ما يقع منهم .

وفي التفسير الوسيط (1) :

قوله - تعالى - { وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأرض وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ } .

(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 1672)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت