فهرس الكتاب

الصفحة 664 من 1236

وقال الرازي (1) :

اعلم أنه لا بد للقسم من جواب ، واختلفوا فيه على وجوه أحدها: ما ذكره الأخفش وهو أن جواب القسم قوله: { قُتِلَ أصحاب الأخدود } واللام مضمرة فيه ، كما قال: { والشمس وضحاها } [ الشمس: 1 ] { قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها } [ الشمس: 9 ] يريد . لقد أفلح ، قال: وإن شئت على التقديم كأنه قيل: قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج وثانيها: ما ذكره الزجاج ، وهو أن جواب القسم: { إِنَّ بَطْشَ رَبّكَ لَشَدِيدٌ } [ البروج: 12 ] وهو قول ابن مسعود وقتادة وثالثها: أن جواب القسم قوله: { إِنَّ الذين فَتَنُواْ } [ البروج: 10 ] الآية كما تقول: والله إن زيدًا لقائم ، إلا أنه اعترض بين القسم وجوابه ، قوله: { قُتِلَ أصحاب الأخدود } إلى قوله: { إِنَّ الذين فَتَنُواْ } [ البروج: 10 ] ورابعها: ما ذكره جماعة من المتقدمين أن جواب القسم محذوف ، وهذا اختيار صاحب «الكشاف» إلا أن المتقدمين ، قالوا: ذلك المحذوف هو أن الأمر حق في الجزاء على الأعمال وقال صاحب «الكشاف» : جواب القسم هو الذي يدل عليه قوله: { قُتِلَ أصحاب الأخدود } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء ، أن كفار قريش ملعونون كما لعن أصحاب الأخدود ، وذلك لأن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى أهل مكة وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب على الإيمان حتى يقتدوا بهم ويصبروا على أذى قومهم ، ويعلموا أن كفار مكة عند الله بمنزلة أولئك الذين كانوا في الأمم السالفة يحرقون أهل الإيمان بالنار ، وأحقاء بأن يقال فيهم: قتلت قريش كما: { قُتِلَ أصحاب الأخدود } أما قوله تعالى: { قُتِلَ أصحاب الأخدود } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: ذكروا قصة أصحاب الأخدود على طرق متباينة ونحن نذكر منها ثلاثة:

أحدها: أنه كان لبعض الملوك ساحر ، فلما كبر ضم إليه غلام ليعلمه السحر ، وكان في طريق الغلام راهب ، فمال قلب الغلام إلى ذلك الراهب ثم رأى الغلام في طريقه ذات يوم حية قد حبست الناس فأخذ حجرًا ، وقال: اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فقوني على قتلها بواسطة رمي الحجر إليها ، ثم رمى فقتلها ، فصار ذلك سببًا لإعراض الغلام عن السحر واشتغاله بطريقة الراهب ، ثم صار إلى حيث يبرىء الأكمه والأبرص ويشفي من الأدواء ، فاتفق أن عمي جليس للملك فأبرأه فلما رآه الملك قال: من رد عليك نظرك؟ فقال ربي فغضب فعذبه فدل على الغلام فعذبه فدل على الراهب فأحضر الراهب وزجره عن دينه فلم يقبل الراهب قوله فقد بالمنشار ، ثم أتوا بالغلام إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا الله ، فرجف بالقوم فهلكوا ونجا ، فذهبوا به إلى سفينة لججوا بها ليغرقوه ، فدعا الله فانكفأت بهم السفينة فغرقوا ونجا ، فقال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد وتصلبني على جذع وتأخذ سهمًا من كنانتي ، وتقول: بسم الله رب الغلام ثم ترميني به ، فرماه فوقع في صدغه فوضع يده عليه ومات ، فقال الناس: آمنا برب الغلام .

فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر ، فأمر بأخاديد في أفواه السكك ، وأوقدت فيها النيران ، فمن لم يرجع منهم طرحه فيها ، حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست أن تقع فيها فقال الصبي: يا أماه اصبري فإنك على الحق ، فصبرت على ذلك .

الرواية الثانية: روي عن علي عليه السلام أنهم حين اختلفوا في أحكام المجوس قال: هم أهل الكتاب وكانوا متمسكين بكتابهم وكانت الخمر قد أحلت لهم فتناولها بعض ملوكها فسكر فوقع على أخته فلما صحا ندم وطلب المخرج فقالت له: المخرج أن تخطب الناس فتقول: إن الله تعالى قد أحل نكاح الأخوات ثم تخطبهم بعد ذلك فتقول: بعد ذلك حرمه ، فخطب فلم يقبلوا منه ذلك فقالت له: أبسط فيهم السوط فلم يقبلوا ، فقالت: أبسط فيهم السيف فلم يقبلوا ، فأمرته بالأخاديد وإيقاد النيران وطرح من أتى فيها الذين أرادهم الله بقوله: { قُتِلَ أصحاب الأخدود } .

(1) - تفسير الرازي - (ج 16 / ص 437)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت