المسألة الثالثة: قوله تعالى: { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } يدل على أنهم لو تابوا لخرجوا عن هذا الوعيد وذلك يدل على القطع بأن الله تعالى يقبل التوبة ، ويدل على أن توبة القاتل عمدًا مقبولة خلاف ما يروى عن ابن عباس .
المسألة الرابعة: في قوله: { فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الحريق } قولان:
الأول: أن كلا العذابين يحصلان في الآخرة ، إلا أن عذاب جهنم وهو العذاب الحاصل بسبب كفرهم ، وعذاب الحريق هو العذاب الزائد على عذاب الكفر بسبب أنهم أحرقوا المؤمنين ، فيحتمل أن يكون العذاب الأول عذاب برد والثاني عذاب إحراق وأن يكون الأول عذاب إحراق والزائد على الإحراق أيضًا إحراق ، إلا أن العذاب الأول كأنه خرج عن أن يسمى إحراقًا بالنسبة إلى الثاني ، لأن الثاني قد اجتمع فيه نوعا الإحراق فتكامل جدًا فكان الأول ضعيفًا ، فلا جرم لم يسم إحراقًا .
القول الثاني: أن قوله: { فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ } إشارة إلى عذاب الآخرة: { وَلَهُمْ عَذَابُ الحريق } إشارة إلى ما ذكرنا أن أولئك الكفار ارتفعت عليهم نار الأخدود فاحترقوا بها .
اعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد المجرمين ذكر وعد المؤمنين وهو ظاهر وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: إنما قال: { ذلك الفوز } ولم يقل تلك الدقيقة لطيفة وهي أن قوله: { ذلك } إشارة إلى إخبار الله تعالى بحصول هذه الجنات ، وقوله: تلك إشارة إلى الجنات وإخبار الله تعالى عن ذلك يدل على كونه راضيًا والفوز الكبير هو رضا الله لا حصول الجنة .
المسألة الثانية: قصة أصحاب الأخدود ولا سيما هذه الآية تدل على أن المكره على الكفر بالإهلاك العظيم الأولى له أن يصبر على ما خوف منه ، وأن إظهار كلمة الكفر كالرخصة في ذلك روى الحسن أن مسيلمة أخذ رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما: تشهد أني رسول الله فقال: نعم فتركه ، وقال للآخر مثله فقال: لا بل أنت كذاب فقتله فقال عليه السلام: « أما الذي ترك فأخذ بالرخصة فلا تبعة عليه ، وأما الذي قتل فأخذ بالفضل فهنيئًا له » .
وفي التفسير الوسيط (1) :
قال القرطبى: قوله: { والسمآء ذَاتِ البروج } : قسم أقسم الله - عز وجل - به . وفى البروج أربعة أقوال: أحدها: ذات النجوم . والثانى: ذات القصور . . الثالث: ذات الخَلْق الحسن . الرابع: ذات المنازل . . وهى اثنا عشر منزلا . .
وقوله: { واليوم الموعود } المقصود به: يوم القيامة ، لأن الله - تعالى - وعد الخلق به ، ليجازى فيه الذين أساءوا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى .
وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قسم ثالث ببعض مخلوقاته - تعالى - . والشاهد اسم فاعل من المشاهدة بمعنى الرؤية ، فالشاهد هو الرائى ، أو المشهود عليه بأنه حق .
فالمراد بالشاهد: من يحضر ذلك اليوم من الخلائق المبعوثين ، وما يراه فيه من عجائب وأهوال ، من المشاهدة بمعنى الرؤية والحضور ، أو من يشهد في ذلك اليوم على غيره ، من الشهادة على الخصم .
وقد ذكر المفسرون في معنى هذين اللفظين ، ما يقرب من عشرين وجها .
قال صاحب الكشاف وقوله: { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } يعنى: وشاهد في ذلك اليوم ومشهود فيه . والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم . وبالمشهود: ما في ذلك اليوم من عجائبه . ثم قال: وقد اضطربت أقوال المفسرين فيما ، فقيل: الشاهد والمشهود: محمد صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة . وقيل: عيسى وأمته . وقيل: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم . وقيل: يوم التروية ويوم عرفة . وقيل: يوم عرفة ويوم الجمعة . وقيل: الحجر الأسود ، والحجيج . وقيل: الأيام والليالى . وقيل: الحفظة وبنو آدم . .
ويبدو لنا أن أقرب الأقوال والصواب: أن المراد بالشاهد هنا: الحاضر في ذلك اليوم العظيم وهو يوم القيامة ، والرائى لأهواله وعجائبه .
وأن المراد بالمشهود: ما يشاهد في ذلك اليوم من أحوال يشيب لها الولدان .
وقال - سبحانه - { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } بالتنكير ، لتهويل أمرهما ، وتفخيم شأنهما .
وقوله - تعالى - { قُتِلَ أَصْحَابُ الأخدود } جواب القسم بتقدير اللام وقد .
أى: وحق السماء ذات البروج ، وحق اليوم الموعود ، وحق الشاهد والمشهود ، لقد قتل ولعن أصحاب الأخدود ، وطردوا من رحمة الله بسبب كفرهم وبغيهم .
والأخدود: وهو الحفرة العظيمة المستطيلة في الأرض ، كالخندق ، وجمعه أخاديد ، ومنه الخد لمجارى الدمع ، والمخدة: لأن الخد يوضع عليها .
ويقال: تخدد وجه الرجل ، إذا صارت فيه التجاعيد . . ومنه قول الشاعر:
ووجه كأن الشمس ألقت رداءها ... عليه ، نقى اللون لم يتخدد
وقيل: إن جواب القسم محذوف ، دل عليه قوله - تعالى -: { قُتِلَ أَصْحَابُ الأخدود } كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء إن كفار مكة لملعونون كما لعن أصحاب الأخدود .
(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 4476)