اعلم أن القوم لما شاهدوا كسر الأصنام ، وقيل إن فاعله إبراهيم عليه السلام قالوا فيما بينهم: { فَأْتُواْ بِهِ على أَعْيُنِ الناس } قال صاحب «الكشاف» : على أعين الناس في محل الحال أي فأتوا به مشاهدًا أي بمرأى منهم ومنظر . فإن قلت: ما معنى الاستعلاء في على؟ قلت: هو وارد على طريق المثل أي يثبت إتيانه في الأعين ثبات الراكب على المركوب . أما قوله تعالى: { لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } ففيه وجهان: أحدهما: أنهم كرهوا أن يأخذوه بغير بينة فأرادوا أن يجيئوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون عليه بما قاله فيكون حجة عليه بما فعل . وهذا قول الحسن وقتادة والسدي وعطاء وابن عباس رضي الله عنهم . وثانيهما: وهو قول محمد ابن إسحق أي يحضرون فيبصرون ما يصنع به فيكون ذلك زاجرًا لهم عن الإقدام على مثل فعله ، وفيه قول ثالث: وهو قول مقاتل والكلبي أن المراد مجموع الوجهين فيشهدون عليه بفعله ويشهدون عقابه .
أما قوله تعالى: { قَالُواْ ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا } فاعلم أن في الكلام حذفًا ، وهو: فأتوا به وقالوا أأنت فعلت ، طلبوا منه الاعتراف بذلك ليقدموا على إيذائه ، فظهر منه ما انقلب الأمر عليهم حتى تمنوا الخلاص منه ، فقال: { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا } وقد علق الفأس على رقبته لكي يورد هذا القول فيظهر جهلهم في عبادة الأوثان ، فإن قيل قوله: بل فعله كبيرهم كذب . والجواب للناس فيه قولان: أحدهما: وهو قول كافة المحققين أنه ليس بكذب ، وذكروا في الاعتذار عنه وجوهًا . أحدها: أن قصد إبراهيم عليه السلام لم يكن إلى أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم ، إنما قصد تقرير لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريضي يبلغ فيه غرضه من إلزامهم الحجة وتبكيتهم ، وهذا كما لو قال لك صاحبك ، وقد كتبت كتابًا بخط رشيق ، وأنت شهير بحسن الخط ، أأنت كتبت هذا؟ وصاحبك أمي لا يحسن الخط ولا يقدر إلا على خرمشة فاسدة ، فقلت له: بل كتبته أنت ، كأن قصدك بهذا الجواب تقرير ذلك مع الاستهزاء به لا نفيه عنك وإثباته للأمي أو المخرمش ، لأن إثباته والأمر دائر بينهما للعاجز منهما استهزاء به وإثبات للقادر . وثانيها: أن إبراهيم عليه السلام غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة مزبنة . وكان غيظه من كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم له فأسند الفعل إليه لأنه هو السبب في استهانته بها وحطمه لها ، والفعل كما يسند إلى مباشره يسد إلى الحامل عليه . وثالثها: أن يكون حكاية لما يلزم على مذهبهم كأنه قال لهم: ما تنكرون أن يفعله كبيرهم ، فإن من حق من يعبد ويدعي إلهًا أن يقدر على هذا وأشد منه . وهذه الوجوه الثلاثة ذكرها صاحب «الكشاف» . ورابعها: أنه كناية عن غير مذكور ، أي فعله من فعله وكبيرهم هذا ابتداء الكلام ويروى عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله بل فعله ثم يبتدىء كبيرهم هذا . وخامسها: أنه يجوز أن يكون فيه وقف عند قوله كبيرهم ثم يبتدىء فيقول هذا فاسألوهم ، والمعنى بل فعله كبيرهم وعنى نفسه لأن الإنسان أكبر من كل صنم . وسادسها: أن يكون في الكلام تقديم وتأخير كأنه قال: بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم فتكون إضافة الفعل إلى كبيرهم مشروطًا بكونهم ناطقين فلما لم يكونوا ناطقين امتنع أن يكونوا فاعلين . وسابعها: قرأ محمد بن السميفع فعله كبيرهم أي فلعل الفاعل كبيرهم . القول الثاني: وهو قول طائفة من أهل الحكايات ، أن ذلك كذب واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
« لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلها في ذات الله تعالى ، قوله: { إِنّى سَقِيمٌ } وقوله: { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا } وقوله لسارة هي أختي » وفي خبر آخر: « أن أهل الموقف إذا سألوا إبراهيم الشفاعة قال: إني كذبت ثلاث كذبات » ثم قرروا قولهم من جهة العقل وقالوا: الكذب ليس قبيحًا لذاته ، فإن النبي عليه السلام إذا هرب من ظالم واختفى في دار إنسان ، وجاء الظالم وسأل عن حاله فإنه يجب الكذب فيه ، وإذا كان كذلك فأي بعد في أن يأذن الله تعالى في ذلك لمصلحة لا يعرفها إلا هو ، واعلم أن هذا القول مرغوب عنه . أما الخبر الأول وهو الذي رووه فلأن يضاف الكذب إلى رواته أولى من أن يضاف إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والدليل القاطع عليه أنه لو جاز أن يكذبوا لمصلحة ويأذن الله تعالى فيه ، فلنجوز هذا الاحتمال في كل ما أخبروا عنه ، وفي كل ما أخبر الله تعالى عنه وذلك يبطل الوثوق بالشرائع وتطرق التهمة إلى كلها ، ثم إن ذلك الخبر لو صح فهو محمول على المعاريض على ما قال عليه السلام: « إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب »
فأما قوله تعالى: { إِنّى سَقِيمٌ } فلعله كان به سقم قليل واستقصاء الكلام فيه يجيء في موضعه .
وأما قوله: { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ } فقد ظهر الجواب عنه .
أما قوله لسارة: إنها أختي ، فالمراد أنها أخته في الدين ، وإذا أمكن حمل الكلام على ظاهره من غير نسبة الكذب إلى الأنبياء عليهم السلام فحينئذ لا يحكم بنسبة الكذب إليهم إلا زنديق .