المسألة الثانية: أما كيفية القصة فقال مقاتل: لما اجتمع نمروذ وقومه لإحراق إبراهيم حبسوه في بيت وبنوا بنيانًا كالحظيرة ، وذلك قوله: { قَالُواْ ابنوا لَهُ بنيانا فَأَلْقُوهُ فِى الجحيم } [ الصافات: 97 ] ثم جمعوا له الحطب الكثير حتى أن المرأة لو مرضت قالت: إن عافاني الله لأجعلن حطبًا لإبراهيم ، ونقلوا له الحطب على الدواب أربعين يومًا ، فلما اشتعلت النار اشتدت وصار الهواء بحيث لو مر الطير في أقصى الهواء لاحترق ، ثم أخذوا إبراهيم عليه السلام ورفعوه على رأس البنيان وقيدوه ، ثم اتخذوا منجنيقًا ووضعوه فيه مقيدًا مغلولًا ، فصاحت السماء والأرض ومن فيها من الملائكة إلا الثقلين صيحة واحدة ، أي ربنا ليس في أرضك أحد يعبدك غير إبراهيم ، وإنه يحرق فيك فأذن لنا في نصرته ، فقال سبحانه: إن استغاث بأحد منكم فأغيثوه ، وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه ، فخلوا بيني وبينه ، فلما أرادوا إلقاءه في النار ، أتاه خازن الرياح فقال: إن شئت طيرت النار في الهواء ، فقال إبراهيم عليه السلام: لا حاجة بي إليكم ، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: «اللهم أنت الواحد في السماء ، وأنا الواحد في الأرض ، ليس في الأرض أحد يعبدك غيري ، أنت حسبنا ونعم الوكيل» وقيل إنه حين ألقي في النار قال: «لا إله إلا أنت سبحانك ربك العالمين ، لك الحمد ولك الملك ، لا شريك لك» ثم وضعوه في المنجنيق ورموا به النار ، فأتاه جبريل عليه السلام وقال: يا إبراهيم هل لك حاجة ، قال: أما إليك فلا؟ قال: فاسأل ربك ، قال: حسبي من سؤالي ، علمه بحالي . فقال الله تعالى: { قُلْنَا يانار كُونِى بَرْدًا وسلاما على إبراهيم } وقال السدي: إنما قال ذلك جبريل عليه السلام ، قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية مجاهد: ولو لم يتبع بردًا سلامًا لمات إبراهيم من بردها ، قال: ولم يبق يومئذ في الدنيا نار إلا طفئت ، ثم قال السدي: فأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم وأقعدوه في الأرض ، فإذا عين ماء عذب ، وورد أحمر ، ونرجس . ولم تحرق النار منه إلا وثاقه ، وقال المنهال بن عمرو أخبرت أن إبراهيم عليه السلام لما ألقى في النار كان فيها إما أربعين يومًا أو خمسين يومًا ، وقال: ما كنت أيامًا أطيب عيشًا مني إذ كنت فيها ، وقال ابن إسحق: بعث الله ملك الظل في صورة إبراهيم ، فقعد إلى جنب إبراهيم يؤنسه ، وأتاه جبريل بقميص من حرير الجنة ، وقال: يا إبراهيم إن ربك يقول: أما علمت أن النار لا تضر أحبابي ، ثم نظر نمروذ من صرح له وأشرف على إبراهيم فرآه جالسًا في روضة ، ورأى الملك قاعدًا إلى جنبه وما حوله نار تحرق الحطب ، فناداه نمروذ: يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها؟ قال: نعم ، قال: قم فاخرج ، فقام يمشي حتى خرج منها ، فلما خرج قال له نمروذ: من الرجل الذي رأيته معك في صورتك؟ قال: ذاك ملك الظل أرسله ربي ليؤنسني فيها . فقال نمروذ: إني مقرب إلى ربك قربانًا لما رأيت من قدرته وعزته فيما صنع بك . فإني ذابح له أربعة آلاف بقرة ، فقال إبراهيم عليه السلام: لا يقبل الله منك ما دمت على دينك ، فقال نمروذ: لا أستطيع ترك ملكي ، ولكن سوف أذبحها له ، ثم ذبحها له وكف عن إبراهيم عليه السلام ، ورويت هذه القصة على وجه آخر ، وهي أنهم بنوا لإبراهيم بنيانًا وألقوه فيه ، ثم أوقدوا عليه النار سبعة أيام ، ثم أطبقوا عليه ، ثم فتحوا عليه من الغد ، فإذا هو غير محترق يعرق عرقًا ، فقال لهم هاران أبو لوط: إن النار لا تحرقه لأنه سحر النار ، ولكن اجعلوه على شيء وأوقدوا تحته فإن الدخان يقتله ، فجعلوه فوق بئر وأوقدوا تحته ، فطارت شرارة فوقعت في لحية أبي لوط فأحرقته .
المسألة الثالثة: إنما اختاروا المعاقبة بالنار لأنها أشد العقوبات ، ولهذا قيل: { إِن كُنتُمْ فاعلين } أي إن كنتم تنصرون آلهتكم نصرًا شديدًا ، فاختاروا أشد العقوبات وهي الإحراق .
أما قوله تعالى: { قُلْنَا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسلاما على إبراهيم } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: قال أبو مسلم الأصفهاني في تفسير قوله تعالى: { قُلْنَا يا نارُ كُونِي بَرْدًا } المعنى أنه سبحانه جعل النار بردًا وسلامًا ، لا أن هناك كلامًا كقوله: { أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } أي يكونه ، وقد احتج عليه بأن النار جماد فلا يجوز خطابه ، والأكثرون على أنه وجد ذلك القول . ثم هؤلاء لهم قولان: أحدهما: وهو قول سدي: أن القائل هو جبريل عليه السلام . والثاني: وهو قول الأكثرين أن القائل هو الله تعالى ، وهذا هو الأليق الأقرب بالظاهر ، وقوله: النار جماد فلا يكون في خطابها فائدة ، قلنا: لم لا يجوز أن يكون المقصود من ذلك الأمر مصلحة عائدة إلى الملائكة .