فهرس الكتاب

الصفحة 683 من 1236

وقال «صاحب المفتاح» : أي أجددت وأحدثت عندنا تعاطى الحق أم أحوال الصبا بعد على الاستمرار وهو أقرب إلى الظاهر وفيه الإشارة إلى فائدة العدول عن المعادل ظاهرًا وبيان المراد بالمجيء ، وظاهر كلام الشيخين أن أم متصلة . واختار العلامة الطيبي أنها منقطعة فقال: إنهم لما سمعوا منه عليه السلام ما يدل على تحقير آلهتهم وتضليلهم وآبائهم على أبلغ وجه وشاهدوا منه الغلظة والجد طلبوا منه عليه السلام البرهان فكأنهم قالوا هب إنا قد قلدنا آباءنا فيما نحن فيه فهل معك دليل على ما ادعيت أجئتنا بالحق ثم أضربوا عن ذلك وجاؤا بأم المتضمنة لمعنى بل الإضرابية والهمزة التقديرية فاضربوا ببل عما أثبتوا له وقرروا بالهمزة خلافه على سبيل التوكيد والبت ، وذلك أنهم قطعوا أنه لاعب وليس بمحق البتة لأن إدخالهم إياه في زمرة اللاعبين أي أنت غريق في اللعب داخل في زمرة الذين قصارى أمرهم في إثبات الدعاوي اللعب واللهو على سبيل الكناية الإيمائية دل على إثبات ذلك بالدليل والبرهان ، وهذه الكناية توقفك على أن أم لا يجوز أن تكون متصلة قطعًا وكذا بل فيما بعد انتهى؛ والحق أن جواز الانقطاع مما لا ريب فيه ، وأما وجوبه ففيه ما فيه .

{ قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ * السموات والارض *الذى فطَرَهُنَّ } أي أنشأهن بما فيهن من المخلوقات التي من جعلتها أنتم وآباؤكم وما تعبدون من غير مثال يحتذيه ولا قانون ينتحيه ، وهذا انتقال عن تضليلهم في عبادة الأصنام ونفي عدم استحقاقها لذلك إلى بيان الحق وتعيين المستحق للعبادة ، وضمير { فطَرَهُنَّ } أما للسموات والأرض واستظهره أبو حيان ، ووصفه تعالى بإيجادهن إثر وفه سبحانه بربوبيته لهن تحقيقًا للحق للحق وتنبيهًا على أن ما لا يكون كذلك بمعزل عن الربوبية التي هي منشأ استحقاق العبادة ، وإما للتماثيل ورجح بأنه أدخل في تحقيق الحق وإرشاد المخاطبين إليه ، وليس هذا الضمير من الضمائر التي تخص من يعقل من المؤنثات كما ظنه ابن عطية فتكلف لتوجيه عوده لما لا يعقل ، وقوله تعالى: { وَأَنَاْ على ذلكم مّنَ الشاهدين } تذييل متضمن لرد نسبتهم إياه عليه السلام إلى اللعب والهزل ، والإشارة إلى المذكور ، والجار الأول متعلق بمحذوف أي وأنا شاهد على ذلك من الشاهدين أو على جهة البيان أي أعني على ذلكم أو متعلق بالوصف بعده وإن كان في صلة أل لا تساعهم في المظروف أقوال مشهورة ، والمعنى وأنا على ذلكم الذي ذكرته من العالمين به على سبيل الحقيقة المبرهنين عليه ولست من اللاعبين ، فإن الشاهد على الشيء من تحققه وحققه وشهادته على ذلك إدلاؤه بالحجة عليها وإثباته بها .

وقال شيخ الإسلام: إن قوله: { بَل رَّبُّكُمْ } الخ إضراب عما بنوا عليه مقالهم من اعتقاد كون تلك التماثيل أربابًا لهم كأنه قيل ليس الأمر كذلك بل ربكم الخ؛ وقال القاضي: هو إضراب عن كونه عليه السلام لاعبًا بإقامة البرهان على ما أدعاه ، وجعله الطيبي إضرابًا عن ذلك أيضًا قال: وهذا الجواب وارد على الأسلوب الحكيم ، وكان من الظاهر أن يجيبهم عليه السلام بقوله بل أنا من المحقين ولست من اللاعبين فجاء بقوله: { بَل رَّبُّكُمْ } الآية لينبه به على أن إطالي لما أنتم عاكفون عليه وتضليلي إياكم مما لا حاجة فيه لوضوحه إلى الدليل ولكن انظروا إلى هذه العظيمة وهي أنكم تتركون عبادة خالقكم ومالك أمركم ورازقكم ومالك العالمين والذي فطر ما أنتم لها عاكفون وتشتغلون بعبادتها دونه فأي باطل أظهر من ذلك وأي ضلال أبين منه .

وقوله: { وَأَنَاْ على ذلكم مّنَ الشاهدين } تذييل للجواب بما هو مقابل لقولهم { أَمْ أَنتَ مِنَ اللاعبين } [ الأنبياء: 55 ] من حيث الأسلوب وهو الكناية ومن حيث التركيب وهو بناء الخبر على الضمير كأنه قال: لست من اللاعبين في الدعاوي بل من العالمين فيها بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة كالشاهد الذي نقطع به الدعاوي اه ، ولا يخفى أنه يمكن إجراء هذا على احتمال كون أم متصلة فافهم وتأمل ليظهر لك أي التوجيهات لهذا الإضراب أولى .

{ وتالله لاكِيدَنَّ أصنامكم } أي لأجتهدن في كسرها ، وأصل الكيد الاحتيال في إيجاد ما يضر مع إظهر خلافه وهو يستلزم الاجتهاد فتجوز به عنه ، وفيه إيذان بصعوبة الانتهاز وتوقفه على استعمال الحيل ليختاطوا في الحفظ فيكون الظفر بالمطلوب أتم في التبكيت ، وكان هذا منه عليه السلام عزمًا على الإرشاد إلى ضلالهم بنوع آخر ، ولا يأباه ما روى عن قتادة أنه قال: نرى أنه عليه السلام قال ذلك من حيث لا يسمعون وقيل سمعه رجل واحد منهم ، وقيل: قوم من ضعفتهم ممن كان يسير في آخر الناس يوم خرجوا إلى العيد وكانت الأصنام سبعين: وقيل إثنين وسبعين .

وقرأ معاذ بن جبل . وأحمد بن حنبل { بالله } بالباء ثانية الحروف وهي أصل حروف القسم إذ تدخل على الظاهر والمضمر ويصرح بفعل القسم معها ويحذف والتاء بدل من الواو كما في تجاه والواو قائمة مقام الباء للمناسبة بينهما من حيث كونهما شفويتين ومن حيث أن الواو تفيد معنى قريبًا من معنى الإلصاق على ما ذكره كثير من النحاة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت