فهرس الكتاب

الصفحة 686 من 1236

{ قَالُواْ } أولئك القائلون { مَن فَعَلَ } [ الأنبياء: 59 ] الخ إذا كان الأمر كذا { فَأْتُواْ بِهِ } أي أحضروه { على أَعْيُنِ الناس } مشاهدًا معاينًا لهم على أتم وجه كما تفيده على المستعارة لتمكن الرؤية { لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } أي يحضرون عقوبتنا له ، وقيل يشهدون بفعله أو بقوله ذلك فالضمير حينئذ ليس للناس بل لبعض منهم مبهم أو معهود والأول مروي عن ابن عباس . والضحاك ، والثاني عن الحسن . وقتادة ، والترجي أوفق به . { قَالُواْ } استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية قولهم كأنه قيل فماذا فعلوا به بعد ذلك هل أتوا به أولًا؟ فقيل قالوا:

{ ءأَنْتَ فَعَلْتَ هذا قَالُواْ ءأَنْتَ * إِبْرَاهِيمَ } اقتصارًا على حكاية مخاطبتهم إياه عليه السلام للتنبيه على أن إتيانهم به ومسارعتهم إلى ذلك أمر محقق غني عن البيان ، والهمزة كما قال العلامة التفتازاني للتقرير بالفاعل إذ ليس مراد الكفرة حمله عليه السلام على الإقرار بأن كسر الأصنام قد كان بل على الإقرار بأنه منه كيف وقد أشاروا إلى الفعل في قولهم: { فَعَلْتَ هذا بِئَالِهَتِنَا } وأيضًا .

{ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا } ولو كان التقرير بالفعل لكان الجواب فعلت أو لم أفعل . واعترض ذلك الخطيب بأنه يجوز أن يكون الاستفهام على أصله إذ ليس في السياق ما يدل على أنهم كانوا عالمين بأنه عليه السلام هو الذي كسر الأصنام حتى يمتنع حمله على حقيقة الاستفهام . وأجيب عليه بأنه يدل عليه ما قبل الآية وهو أنه عليه السلام قد حلف بقوله { تالله * لاكِيدَنَّ أصنامكم } [ الأنبياء: 57 ] الخ ثم لما رأوا كسر الأصنام قالوا { مَن فَعَلَ هذا } الخ فالظاهر أنهم قد علموا ذلك من حلفه وذمه الأصنام . ولقائل أن يقول: إن الحلف كما قاله كثير كان سرًا أو سمعه رجل واحد ، وقوله سبحانه: { قَالُواْ سَمِعْنَا } [ الأنبياء: 60 ] الخ مع قوله تعالى: { قَالُواْ مَن فَعَلَ هذا } [ الأنبياء: 59 ] الخ يدل على أن منهم من لا يعلم كونه عليه السلام هو الذي كسر الأصنام فلا يبعد أن يكون { أانت فَعَلْتَ هذا } [ الأنبياء: 62 ] كلام ذلك البعض . وقد يقال: إنهم بعد المفاوضة في أمر الأصنام وإخبار البعض البعض بما يقنعه بأنه عليه السلام هو الذي كسرها تيقنوا كلهم أنه الكاسر فاأنت فعلت ممن صدر للتقرير بالفاعل . وقد سلك عليه السلام في الجواب مسلكًا تعريضيًا يؤدي به إلى مقصده الذي هو إلزامهم الحجة على ألطف وجه وأحسنه يحملهم على التأمل في شأن آلهتهم مع ما فيه من التوقي من الكذب فقد أبرز الكبير قولًا في معرض المباشر للفعل بإسناده إليه كما أبرزه في ذلك المعرض فعلًا بجعل الفاس في عنقه أو في يده وقد قصد إسناده إليه بطريق التسبب حيث رأى تعظيمهم إياه أشد من تعظيمهم لسائر ما معه من الأصنام المصطفة المرتبة للعبادة من دون الله تعالى فغضب لذلك زيادة الغضب فأسند الفعل إليه إسنادًا مجازيًا عقليًا باعتبار أنه الحامل عليه والأصل فعلته لزيادة غضبي من زيادة تعظيم هذا ، وإنما لم يكسره وإن كان مقتضى غضبه ذلك لتظهر الحجة ، وتسمية ذلك كذبًا كما ورد في الحديث الصحيح من باب المجاز لما أن المعاريض تشبه صورتها صورته فبطل الاحتجاج بما ذكر على عدم عصمة الأنبياء عليهم السلام ، وقيل في توجيه ذلك أيضًا: إنه حكاية لما يلزم من مذهبهم جوازه يعني أنهم لما ذهبوا إلى أنه أعظم الآلهة فعظم ألوهيته يقتضي أن لا يعبد غيره معه ويقتضي إفناء من شاركه في ذلك فكأنه قيل فعله هذا الكبير على مقتضى مذهبكم والقضية ممكنة .

ويحكى أنه عليه السلام قال: فعله كبيرهم هذا غضب أن يعبد معه هذه وهو أكبر منها ، قيل: فيكون حينئذٍ تمثيلًا أراد به عليه السلام تنبيههم على غضب الله تعالى عليهم لإشراكهم بعبادته الأصنام ، وقيل إنه عليه السلام لم يقصد بذلك إلا إثبات الفعل لنفسه على الوجه الأبلغ مضمنًا فيه الاستهزاء والتضليل كما إذا قال لك أمي فيما كتبته بخط رشيق وأنت شهير بحسن الخط: أأنت كتبت هذا؟ فقلت له: بل كتبته أنت فإنك لم تقصد نفيه عن نفسك وإثباته للأمي وإنما قصدت إثباته وتقريره لنفسك مع الاستهزاء بمخاطبك . وتعقبه صاحب الفرائد بأنه إنما يصح إذا كان الفعل دائرًا بينه عليه السلام وبين كبيرهم ولا يحتمل ثالثًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت