و عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: كَانَ لِي أَخٌ يُقَالَ لَهُ أُنَيْسٌ وَكَانَ شَاعِرًا فَتَنَافَرَ هُوَ وشَاعِرٌ آخَرُ ، فَقَالَ أُنَيْسٌ: أَنَا أَشْعَرُ مِنْكَ ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَنَا أَشْعَرُ ، قَالَ أُنَيْسٌ: فَمَنْ تَرْضَى أَنْ يَكُونَ بَيْنَنَا ؟ قَالَ: أَرْضَى أَنْ يَكُونَ بَيْنَنَا كَاهِنُ مَكَّةَ قَالَ: نَعَمْ ، فَخَرَجَا إِلَى مَكَّةَ ، فَاجْتَمَعَا عِنْدَ الْكَاهِنِ ، فَأَنْشَدَهُ هَذَا كَلَامَهُ ، وَهَذَا كَلَامَهُ فَقَالَ لِأُنَيْسٍ: قَضَيْتَ لِنَفْسِكَ ، فَكَأَنَّهُ فَضَّلَ شِعْرَ أُنَيْسٍ ، فَقَالَ: يَا أَخِي ، بِمَكَّةَ رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ ، وَهُوَ عَلَى دِينِكَ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ: وَمَا كَانَ دِينُكَ ؟ قَالَ: رَغِبَتُ عَنْ آلِهَةِ قَوْمِي الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ ، فَقُلْتُ: أَيَّ شَيْءٍ كُنْتَ تَعْبُدُ ؟ قَالَ: لَا شَيْءَ ، كُنْتُ أُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى أَسْقُطَ كَأَنِّي خِفَاءٌ ، حَتَّى يُوقِظَنِي حَرُّ الشَّمْسِ ، فَقُلْتُ: أَيْنَ كُنْتَ تُوَجِّهُ وَجْهَكَ ؟ قَالَ: حَيْثُ وَجَّهَنِيَ رَبِّي ، فَقَالَ: لِي أُنَيْسٌ: وَقَدْ سَئِمُوهُ ، يَعْنِي: كَرِهُوهُ ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَجِئْتُ حَتَّى دَخَلْتُ مَكَّةَ ، فَكُنْتُ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً وَيَوْمًا أَخْرُجُ كُلَّ لَيْلَةٍ فَأَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً ، فَمَا وَجَدْتِ عَلَى كَبِدِي سَحْقَةَ جُوعٍ ، وَلَقَدْ تَعَكَّنَ بَطْنِي ، فَجَعَلَتِ امْرَأَتَانِ تَدْعُوَانِ لَيْلَةً آلِهَتَهُمَا ، وَتَقُولُ إِحْدَاهُمَا: يَا إِسَافُ ، هَبْ لِي غُلَامًا ، وَتَقُولُ الْأُخْرَى: يَا نَائِلُ ، هَبْ لِي كَذَا وَكَذَا . فَقُلْتُ: هُنَّ بِهِنَّ ، فَوَلَّتَا وجَعَلَتَا تَقُولَانِ: الصَّابِئُ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا ، إِذْ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ يَمْشِي وَرَاءَهُ ، فَقَالَتَا: الصَّابِئُ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا ، فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَلَامٍ قَبَّحَ مَا قَالَتَا ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ ، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ:"وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ"، ثَلَاثًا ، ثُمَّ قَالَ لِي:"مُنْذُ كَمْ أَنْتَ هَاهُنَا ؟"قُلْتُ: مُنْذُ خَمْسَ عَشْرَةَ يَوْمًا وَلَيْلَةً قَالَ:"فَمِنْ أَيْنَ كُنْتَ تَأْكُلُ ؟"قَالَ: كُنْتُ آتِي زَمْزَمَ كُلَّ لَيْلَةٍ نِصْفَ اللَّيْلِ ، فَأَشْرَبُ مِنْهَا شَرْبَةً ، فَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سَحْقَةَ جُوعٍ ، وَلَقَدْ تَعَكَّنَ بَطْنِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّهَا طُعْمٌ وَشِرْبٌ ، وَهِيَ مُبَارَكَةٌ"، قَالَهَا ثَلَاثًا ، ثُمَّ سَأَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مِمَّنْ أَنْتَ ؟"فَقُلْتُ: مِنْ غِفَارٍ قَالَ: وَكَانَتْ غِفَارٌ يَقْطَعُونَ عَلَى الْحَاجِّ ، وَكَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْقَبَضَ عَنِّي ، فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ:"انْطَلِقْ بِنَا يَا أَبَا بَكْرٍ"فَانْطَلَقَ بِنَا إِلَى مَنْزِلِ أَبِي بَكْرٍ ، فَقَرَّبَ لَنَا زَبِيبًا ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ ، وَأَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَّمَنِي الْإِسْلَامَ ، وَقَرَأْتُ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُظْهِرَ دِينِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ تُقْتَلَ"، قُلْتُ: لَا بُدَّ مِنْهُ . قَالَ:"إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ تُقْتَلَ"، قُلْتُ: لَا بُدَّ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَإِنْ قُتِلْتُ ، فَسَكَتَ عَنِّي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقُرَيْشٌ حِلَقٌ يَتَحَدَّثُونَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، فَتَنَفَّضَتِ الْحِلَقُ ، فَقَامُوا إِلَيَّ ، فَضَرَبُونِي حَتَّى تَرَكُونِي كَأَنِّي نُصُبٌ أَحْمَرُ ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُونِي ، فَقُمْتُ ، فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَأَى مَا بِي مِنَ الْحَالِ ، فَقَالَ لِي:"أَلَمْ أَنْهَكَ ؟"فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَانَتْ حَاجَةٌ فِي نَفْسِي فَقَضَيْتُهَا . فَأَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لِي:"الْحَقْ بِقَوْمِكَ ، فَإِذَا بَلَغَكَ ظُهُورِي فَأْتِنِي"، فَجِئْتُ وَقَدْ