فهرس الكتاب

الصفحة 815 من 1236

قَالَ « خُذْ فَأَعْطِهِمْ » . قَالَ فَأَخَذْتُ الْقَدَحَ فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَىَّ الْقَدَحَ ، فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَىَّ الْقَدَحَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَىَّ الْقَدَحَ ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَدْ رَوِىَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ ، فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ فَنَظَرَ إِلَىَّ فَتَبَسَّمَ فَقَالَ « أَبَا هِرٍّ » . قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ « بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ » . قُلْتُ صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ « اقْعُدْ فَاشْرَبْ » . فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ . فَقَالَ « اشْرَبْ » . فَشَرِبْتُ ، فَمَا زَالَ يَقُولُ « اشْرَبْ » . حَتَّى قُلْتُ لاَ وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ، مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا . قَالَ « فَأَرِنِى » . فَأَعْطَيْتُهُ الْقَدَحَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَسَمَّى ، وَشَرِبَ الْفَضْلَةَ . (1)

(1) - صحيح البخارى برقم (6452 )

فتح الباري لابن حجر - (ج 18 / ص 272)

وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد غَيْر مَا تَقَدَّمَ: اِسْتِحْبَاب الشُّرْب مِنْ قُعُود ، وَأَنَّ خَادِم الْقَوْم إِذَا دَار عَلَيْهِمْ بِمَا يَشْرَبُونَ يَتَنَاوَل الْإِنَاء مِنْ كُلّ وَاحِد فَيَدْفَعهُ هُوَ إِلَى الَّذِي يَلِيه وَلَا يَدْعُ الرَّجُل يُنَاوِل رَفِيقه لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ نَوْع اِمْتِهَان الضَّيْف . وَفِيهِ مُعْجِزَة عَظِيمَة ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهَا نَظَائِر فِي عَلَامَات النُّبُوَّة مِنْ تَكْثِير الطَّعَام وَالشَّرَاب بِبَرَكَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِيهِ جَوَاز الشِّبَع وَلَوْ بَلَغَ أَقْصَى غَايَته أَخْذًا مِنْ قَوْل أَبِي هُرَيْرَة"لَا أَجِد لَهُ مَسْلَكًا"وَتَقْرِير النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِتَحْرِيمِهِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي اللَّبَن مَعَ رِقَّته وَنُفُوذه فَكَيْفَ بِمَا فَوْقه مِنْ الْأَغْذِيَة الْكَثِيفَة ، لَكِنْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ خَاصًّا بِمَا وَقَعَ فِي تِلْكَ الْحَال فَلَا يُقَاس عَلَيْهِ . وَقَدْ أَوْرَدَ التِّرْمِذِيّ عَقِب حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة هَذَا حَدِيث اِبْن عُمَر رَفَعَهُ"أَكْثَرهمْ فِي الدُّنْيَا شِبَعًا أَطْوَلهمْ جُوعًا يَوْم الْقِيَامَة"وَقَالَ: حَسَن . وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ . قُلْت: وَحَدِيث أَبِي جُحَيْفَةَ أَخْرَجَهُ الْحَاكِم وَضَعَّفَهُ أَحْمَد . وَفِي الْبَاب أَيْضًا حَدِيث الْمِقْدَام بْن مَعْد يَكْرِب رَفَعَهُ"مَا مَلَأ اِبْن آدَم وِعَاء شَرًّا مِنْ بَطْنه"الْحَدِيث أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضًا وَقَالَ حَسَن صَحِيح وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنْ يُحْمَل الزَّجْر عَلَى مَنْ يَتَّخِذ الشِّبَع عَادَة لِمَا يَتَرَتَّب عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْكَسَل عَنْ الْعِبَادَة وَغَيْرهَا ، وَيُحْمَل الْجَوَاز عَلَى مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ نَادِرًا وَلَا سِيَّمَا بَعْد شِدَّة جُوع وَاسْتِبْعَاد حُصُول شَيْء بَعْده عَنْ قُرْب . وَفِيهِ أَنَّ كِتْمَان الْحَاجَة وَالتَّلْوِيح بِهَا أَوْلَى مِنْ إِظْهَارهَا وَالتَّصْرِيح بِهَا . وَفِيهِ كَرَم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِيثَاره عَلَى نَفْسه وَأَهْله وَخَادِمه . وَفِيهِ مَا كَانَ بَعْض الصَّحَابَة عَلَيْهِ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ضِيق الْحَال ، وَفَضْل أَبِي هُرَيْرَة وَتَعَفُّفه عَنْ التَّصْرِيح بِالسُّؤَالِ وَاكْتِفَاؤُهُ بِالْإِشَارَةِ إِلَى ذَلِكَ ، وَتَقْدِيمه طَاعَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَظّ نَفْسه مَعَ شِدَّة اِحْتِيَاجه ، وَفَضْل أَهْل الصُّفَّة . وَفِيهِ أَنَّ الْمُدَّعُو إِذَا وَصَلَ إِلَى دَار الدَّاعِي لَا يَدْخُل بِغَيْرِ اِسْتِئْذَان ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْث فِيهِ فِي كِتَاب الِاسْتِئْذَان مَعَ الْكَلَام عَلَى حَدِيث"رَسُول الرَّجُل إِذْنه". وَفِيهِ جُلُوس كُلّ أَحَد فِي الْمَكَان اللَّائِق بِهِ . وَفِيهِ إِشْعَار بِمُلَازَمَةِ أَبِي بَكْر وَعُمَر لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَدُعَاء الْكَبِير خَادِمه بِالْكُنْيَةِ . وَفِيهِ تَرْخِيم الِاسْم عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، وَالْعَمَل بِالْفَرَاسَةِ ، وَجَوَاب الْمُنَادَى بِلَبَّيْكَ ، وَاسْتِئْذَان الْخَادِم عَلَى مَخْدُومه إِذَا دَخَلَ مَنْزِله ، وَسُؤَال الرَّجُل عَمَّا يَجِدهُ فِي مَنْزِله مِمَّا لَا عَهْد لَهُ بِهِ لِيُرَتِّب عَلَى ذَلِكَ مُقْتَضَاهُ ، وَقَبُول النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْهَدِيَّة وَتَنَاوُله مِنْهَا وَإِيثَاره بِبَعْضِهَا الْفُقَرَاء ، وَامْتِنَاعه مِنْ تَنَاوُل الصَّدَقَة وَوَضْعه لَهَا فِيمَنْ يَسْتَحِقّهَا ، وَشُرْب السَّاقِي آخِرًا وَشُرْب صَاحِب الْمَنْزِل بَعْده ، وَالْحَمْد عَلَى النِّعَم ، وَالتَّسْمِيَة عِنْد الشُّرْب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت