عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا خُنَيْسٍ الْغِفَارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تِهَامَةَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِعُسْفَانَ جَاءَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، جَهَدَنَا الْجُوعُ فَأَذَنْ لَنَا فِي الظَّهْرِ نَأْكُلُهُ فَقَالَ:"نَعَمْ"فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَجَاءَ إِلَيَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، مَا صَنَعْتَ أَمَرْتَ النَّاسَ يَأْكُلُوا الظَّهْرَ فَمَاذَا تَرْكَبُونَ ؟ قَالَ:"فَمَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟"قَالَ: أَرَى تَأْمُرُهُمْ وَأَنْتَ أَفْضَلُ رَأَيًا يَجْمَعُونَ فَضْلَ أَزْوَادِهِمْ فِي ثَوْبٍ وَيَدْعُوا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَسْتَجِيبُ لَكَ . فَأَمَرَهُمْ فَجَمَعُوا فَضْلَ أَزْوَادِهِمْ فِي ثَوْبٍ وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ ثُمَّ قَالَ: ائْتُوا بِأَوْعِيَتِكُمْ فَمَلَأَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُ وِعَاءَهُ ثُمَّ أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرَّحِيلِ ، فَلَمَّا ارْتَحِلُوا أُمْطِرُوا مَا شَاءُوا ثُمَّ نَزَلُوا فَشَرِبُوا مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ وَهُمْ بِالْكِرَاعِ ثُمَّ خَطَبَ بِهِمْ ، فَجَاءَ نَفَرٌ ثَلَاثَةٌ فَجَلَسَ اثْنَانِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَهَبَ آخَرُ مُعْرِضًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ ؟ أَمَّا وَاحِدٌ فَاسْتَحَى مِنَ اللَّهِ فَاسْتَحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَقْبَلَ تَائِبًا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ" (1)
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزَاةٍ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ الْعَدُوَّ قَدْ حَضَرَ وَهُمْ شِبَاعٌ وَالنَّاسُ جِيَاعٌ ، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: أَلَا نَنْحَرُ نَوَاضِحَنَا فَنُطْعِمُهَا النَّاسَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:"مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ طَعَامٍ فَلْيَجِئْ بِهِ". فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْمُدِّ وَالصَّاعِ وَأَكْثَرَ وَأَقَلَّ ، فَكَانَ جَمِيعُ مَا فِي الْجَيْشِ بِضْعَةً وَعِشْرِينَ صَاعًا ، فَجَلَسَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى جَنْبِهِ وَدَعَا بِالْبَرَكَةِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:"خُذُوا وَلَا تَنْتَهِبُوا". فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ فِي جِرَابِهِ وَفِي غِرَارَتِهِ ، وَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَرْبُطُ كُمَّ قَمِيصِهِ فَيَمْلَأَهُ ، فَفَرَغُوا وَالطَّعَامُ كَمَا هُوَ ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:"أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، لَا يَأْتِي بِهَا عَبْدٌ مُحِقٌّ إِلَّا وَقَاهُ اللَّهُ حَرَّ النَّارِ" (2)
قصة المرأة التي كانت تطعم بعض الصحابة يوم الجمعة
عَنْ سَهْلٍ قَالَ كَانَتْ فِينَا امْرَأَةٌ تَجْعَلُ عَلَى أَرْبِعَاءَ فِى مَزْرَعَةٍ لَهَا سِلْقًا ، فَكَانَتْ إِذَا كَانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ تَنْزِعُ أُصُولَ السِّلْقِ فَتَجْعَلُهُ فِى قِدْرٍ ، ثُمَّ تَجْعَلُ عَلَيْهِ قَبْضَةً مِنْ شَعِيرٍ تَطْحَنُهَا ، فَتَكُونُ أُصُولُ السِّلْقِ عَرْقَهُ ، وَكُنَّا نَنْصَرِفُ مِنْ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ فَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا ، فَتُقَرِّبُ ذَلِكَ الطَّعَامَ إِلَيْنَا فَنَلْعَقُهُ ، وَكُنَّا نَتَمَنَّى يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِطَعَامِهَا ذَلِكَ . (3)
(1) - الآحاد والمثاني برقم ( 2441 ) حسن
(2) - مسند أبي يعلى الموصلي برقم (215) حسن لغيره
(3) - صحيح البخارى برقم (938 ) -الأربعاء: جمع ربيع وهو الجدول الصغير
فتح الباري لابن حجر - (ج 3 / ص 353)
وَفِي هَذَا اَلْحَدِيثِ جَوَاز اَلسَّلَامِ عَلَى اَلنِّسْوَةِ اَلْأَجَانِب ، وَاسْتِحْبَاب اَلتَّقَرُّب بِالْخَيْرِ وَلَوْ بِالشَّيْءِ اَلْحَقِيرِ ، وَبَيَان مَا كَانَ اَلصَّحَابَة عَلَيْهِ مِنْ اَلْقَنَاعَةِ وَشِدَّة اَلْعَيْشِ وَالْمُبَادَرَةِ إِلَى اَلطَّاعَةِ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمْ .
قَوْله: ( بِهَذَا أَيْ بِالْحَدِيثِ اَلَّذِي قَبْلَهُ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ أَبَا غَسَّان وَعَبْد اَلْعَزِيز بْن أَبِي حَازِم اِشْتَرَكَا فِي رِوَايَةِ هَذَا اَلْحَدِيثِ عَنْ أَبِي حَازِم ، وَزَادَ عَبْد اَلْعَزِيز اَلزِّيَادَةَ اَلْمَذْكُورَةَ وَهِيَ قَوْلُهُ"مَا كُنَّا نَقِيلُ وَنَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ اَلْجُمُعَة"وَقَدْ رَوَاهَا أَبُو غَسَّان مُفْرَدَة كَمَا فِي اَلْبَابِ اَلَّذِي بَعْدَهُ ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْر اَلْغَدَاءِ ، وَبَيْنَ رِوَايَةِ أَبِي غَسَّان وَعَبْد اَلْعَزِيز تَفَاوُت يَأْتِي بَيَانه فِي"بَابِ تَسْلِيمِ اَلرِّجَالِ عَلَى اَلنِّسَاءِ"مِنْ كِتَاب اَلِاسْتِئْذَان إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى . وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا اَلْحَدِيثِ لِأَحْمَدَ عَلَى جَوَازِ صَلَاة اَلْجُمُعَةِ قَبْلَ اَلزَّوَالِ وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ اِبْن أَبِي شَيْبَة"بَاب مَنْ كَانَ يَقُولُ اَلْجُمُعَة أَوَّل اَلنَّهَارِ"وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيث سَهْل هَذَا وَحَدِيث أَنَس اَلَّذِي بَعْدَهُ وَعَنْ اِبْن عُمَر مِثْله وَعَنْ عُمَر وَعُثْمَان وَسَعْد وَابْن مَسْعُود مِثْله مِنْ قَوْلِهِمْ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ اَلْجُمُعَة قَبْلَ اَلزَّوَالِ ، بَلْ فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَشَاغَلُونَ عَنْ اَلْغَدَاءِ وَالْقَائِلَة بِالتَّهَيُّؤِ لِلْجُمُعَةِ ثُمَّ بِالصَّلَاةِ ، ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ فَيَتَدَارَكُونَ ذَلِكَ . بَلْ اِدَّعَى اَلزَّيْنُ بْن اَلْمُنِيرِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ اَلْجُمُعَة تَكُونُ بَعْدَ اَلزَّوَالِ لِأَنَّ اَلْعَادَةَ فِي اَلْقَائِلَةِ أَنْ تَكُونَ قَبْلَ اَلزَّوَالِ فَأَخْبَرَ اَلصَّحَابِيّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَغِلُونَ بِالتَّهَيُّؤِ لِلْجُمُعَةِ عَنْ اَلْقَائِلَةِ وَيُؤَخِّرُونَ اَلْقَائِلَةَ حَتَّى تَكُونَ بَعْدَ صَلَاةِ اَلْجُمُعَة .