فهرس الكتاب

الصفحة 850 من 1236

ومنها: أنه يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات، ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات التي يصعد منها في عقبة وينزل في أخرى ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه، فلو رضي باختيار الله أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به فيه، وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم غير ملطوف به فيه، لأنه مع اخياره لنفسه، ومتى صح تفويضه ورضاه اكتنفه المقدور مع العطف عليه واللطف به فيصير بين عطفه ولطفه، فعطفه يقيه ما يحذره، ولطفه يهون عليه ما قدره. إذا نفذ القدر في العبد كان من أعظم أسباب نفوذه تحيله في رده، فلا أنفع له من الاستسلام وإلقاء نفسه بين يدي القدر طريحًا كالميتة؛ فإن السبع لا يرضى بأكل الجيف) انتهى كلامه رحمه الله.

باتت تذكرني بالله قاعدة *** والدمع يهطل من شأنيهما ما سبلا

يا بنت عمي كتاب الله أخرجني *** كرهًا وهل أمنعن الله ما فعلا

فإن رجعت فرب الخلق أرجعني *** وإن لحقت بربي فابتغي بدلا

ما كنت أعرج أو أعمى فيعذرني *** أو ضارعًا من ضنا لم يستطع حولا

روى الطبري في تاريخه عن ابن اسحاق: أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (شهدت أُحدًا مع رسول الله صلى الله عيه أنا وأخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذّن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو، قلت لأخي -أو قال لي-: أتفوتنا غزوة مع رسول الله لى الله عليه وسلم؟ والله مالنا من دابة نركبها وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت أيسر جرحا، فكان إذا غلب حملته عقبة.. ومشى عقبة.. حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون) .

قال أبو الدردا: (ذروة سنام الإيمان؛ الصبر للحكم والرضى بالقدر) .

وبهذا الدواء نستشفي من جراحنا المنبعثة هنا وهناك.

فبعد تفهم هذه الحقائق؛ ندرك المعنى المطلوب من وراء تشييد معركة الفلوجة وثباتها وانتصابها بكل ما أوتيت من قوة، لأنها اليوم هي المعركة الوحيدة على ثغر الإسلام الأول، والثبات فيها والرباط على خطوطها يعني الحفاظ على الثغر الأول الذي نطاعن منه الكفر والعدوان.

ولا يعني أن نرى العدو قد دخل إلى العمق وتجول في ساحات المدينة وتمركز على الأطراف أنه قد حقق أهدافه في الانتصار، فمعركتنا مع العدو هي حرب شوارع ومدن تتنوع في تكتيكاتها وأساليبها الدفاعية والهجومية، والحروب الضارية لا تحسم نتائجها من أيام ولا أسابيع بل تأخذ وقتها ريثما يحين موعد إعلان الفوز لأحد الطرفين.

ويكفينا قبل حسم النتيجة أن قرت عيوننا برؤية أبناء الإسلام يثبتون كالجبال الرواسي على خطوط الفلوجة المباركة، ويلقنون الأمة دروسًا جديدة في الجلد والصبر واليقين.

ولعلنا نلقي نظرة حول بعض من هذه الدروس والنتائج العظام التي تمخضت عن تلك المعركة الشامخة، فأقول:

أولًا: أحيت المعركة من جديد معاني العزة والكرامة والإباء: وأيقنت الأمة أن هناك ثلة من أبنائها قادرين على مواجهة الأخطار الكالحة بكل جرأة وثبات وعزيمة، وأن هذه الثلة صدقت مع أمتها في خططها ومشاريعها التي أعدتها لانبعاث الأمة من جديد وبذلت من أجل ذلك كثيرًا دماء أبنائها وقادتها.

ثانيًا: تعلمت الأمة - وهي في ذلتها وانكسارها - أنها تستطيع أن تواجه وترابط وتعارك أسياد الأرض وطغاتها بعصابة قليلة من أبنائها، وبعتاد خفيف من السلاح.. تستطيع بذلك أن تلحق بالعدو خسائر جسيمة أليمة وتجبره على تجرع كأس الهزيمة المر.

ثالثًا: فتحت الفلوجة أرض المعركة على مصراعيها، فألهبت همم أبناء الإسلام داخل العراق وخارجه، ودفعت بدمائها الطاهرة التي أريقت على أرضها بالكثير من أبناء الإسلام لينهضوا بتكاليف الجهاد وينفروا للتصدي للحملة الصليبية العالمية، فاشتعلت المعارك والملاحم في أنحاء متفرقة من أرض العراق وتشكلت الكتائب والمجاميع وانبرى المجاهدون يتلقفون أرتال العدو ويصطادون دورياته ويغيرون على مواقعه، وقد شهدنا بفضل الله خسائره الكثيرة التي تكبدها على أرض العراق كلها، فكان من مفاخر هذا الفتح أن تعظم نفوس أبناء الجهاد وتنهار أمامها أساطير الآلات الحربية الحديثة فهممهم الآن قد تحررت من أوهام العجز والخوف وانطلقت إلى ميادين الجد والعمل.

رابعًا: أحرزت معركة الفلوجة نصرًا عسكريًا استرتيجيًا مهما، فالجميع على دراية بتفوق الآلة العسكرية الأمريكية وتطور جيوشها ونظامها الحربي الذي يعتمد على ضرب الأهداف عن بعد دون التحام واشتباك، والذي يفترض أن يؤمن سلامة الجندي الأمريكي دون أن يستهلك في معارك خطرة تكلفه روحه، ولكن الفلوجة استدرجت هذه الآلة الضخمة - وفق خطة مدبرة - استدرجتها إلى حرب شوارع قاسية غير منتظمة تستنزف جهدها وطاقتها وعتادها، وأصبح الجندي الأمريكي يواجه الموت والهلاك من حيث لا يحتسب، وأرغم الأمريكان على النزول إلى الأزقة والشورع والدخول إلى البيوت والأبنية، فانكشف العدو لنيران المجاهدين وكمائنهم وفاجأته قدرتهم على المناورة والكر والفر، واضطر لخوض معارك قريبة لم يعهدها، تكبد فيها خسائر عظيمة في الأرواح والآليات تزيد على المئات والعشرات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت