وكان شهداء المهاجرين والأنصار أكثر من نصف الشهداء في معركة اليمامة، فقد استشهد منهم من سكان المدينة المنورة يومئذ 360 ومن المهاجرين من غير أهل المدينة 300، وكان شهداء المهاجرين والأنصار وشهداء التابعين لهم بإحسان - الذين كانوا 300 شهيد تابعي في تلك المعركة -80% من مجموع الشهداء، إذ يبلغ عدد شهداء المهاجرين والأنصار والتابعين 960 شهيدًا من مجموع 1200 شهيد. ويكفينا أن نذكر أن عدد الشهداء من القراء، حاملي القرآن وعلماء المسلمين حين ذاك - في معركة اليمامة - 300 شهيد، وفي رواية 500، أي أن نسبة القراء من الشهداء في معركة واحدة فقط 25% في رواية، و 45% في رواية أخرى، وهي نسبة عالية جدًا.
والذين يبحثون في مصادر الصحابة رضي الله عنهم؛ يجدون واحدًا من كل خمسة منهم مات على فراشه وأربعة استشهدوا في ميادين الجهاد، فلا تعجب من سرعة الفتوح المذهلة في القرن الأول الهجري وثباتها ودوامها.
ويجدر بنا في هذا المقام أن نشيد بثبات مجاهدينا الأبطال، وأن نذكر طرفًا بسيطًا من نعم الله عز وجل عليهم من الكرامات واللطائف الربانيّة التي حفتهم في معركتهم مع الأمريكان وأعوانهم في الفلوجة، فكانت تثبيتًا لهم وجبرًا لحالهم.
ومنها: أنه في اليوم الثالث من المعركة وبعد قصف شديد وعنيف لأحياء الفلوجة، استيقظ المجاهدون من ليلهم فرأوا الآليات والدبابات الأمريكية في الشوارع والطرق والأفرع، فبرز لهم سادات أهل الإسلام في المعمعة، بقيادة الأخ أبي عزام وعمر حديد و أبو ناصر الليبي وأبو الحارث؛ محمد جاسم العيساوي... وغيرهم وغيرهم من الأبطال، فطردوا الغزاة إلى أطراف الفلوجة، وكان سلاحهم في المعركة البيكا والكلاشنكوف.
وقد حصل للأمريكان مقتلة عظيمة كبيرة، حتى أن كثيرًا منهم كانوا قد فروا من المعركة واختبئوا في بعض بيوتات المسلمين، وكان المجاهدون يتحرجون بداية من اقتحام تلك البيوت خوفًا على أذى المسلمين، ولما تأكدوا من وجود الجنود الأمريكان دخلوها فوجدوهم خانسون مختبؤون، فجعلوا يقتلونهم قتل الخنافس والذباب، ولله الفضل والمنة.
وبعد أيام من المعركة؛ عرض أحد القادة على للأخ عمر حديد والأخ أبي الحارث جاسم العيساوي أن يحلقوا لحاهم ويخرجوا من الفلوجة بعد أن يسر لهم طريقا آمنا للنجاة ويبدأون بالعمل من الخارج، فرفض البطلان وقالا: (والله لا نخرج مادام في المدينة مهاجر واحد ثابت) ، فقاتلا حتى اسشهدا رحمهما الله تعالى وتقبلهما في عباده الشهداء.
ومنها: أن بعض الأخوة قد قاسوا الجوع أيامًا عديدة، وبعد رجاء وحسن يقين بالله عز وجل عثروا على بطيخة كبيرة، فلما فتحوها إذا بها حمراء كأحسن ما تكون، فأكلوا منها أيامًا يشبعون ويحمدون ويتعجبون، حتى جزموا أنهم لم يتذوقوا طيب مأكلها في الدنيا، ومعلوم أن البطيخ ليس هذا أوانه ومكانه الذي يعرف به.
ومنها أيضًا: أن الإخوة قد عانوا الكثير من مأكلهم ومشربهم، حتى أنهم فقدوا مياه الشرب وشحت لديهم شحًا عظيمًا، فأخذت الفطور تنبت على أفواههم وشفاههم، ولما هموا بالبحث عن بضع قطرات من الماء تروي شيئًا من أجوافهم العطشة دخلوا بيتًا فوجدوا فيه ثلاث قرب من الماء قد اصطفت بجانب بعضها على نمط غريب، فلما رأوها تعجبوا إذ لم يعهد في الفلوجة ولا في العراق أن يرى الماء موضوعًا في مثل هذه القراب الجميلة الغريبة، فلما تذوقوا الماء علموا أنه ليس من ماء الدنيا، فشربوا حتى ارتووا، ويقسموا بعدها أنهم لم يشربوا مثله في هذه الحياة الدنيا.
ومنها أيضًا: أن أخًا من جزيرة محمد صلى الله عليه وسلم قد أصيب في دماغه بطلقة قناص فدخلت من جبهته وخرجت من قفاه، فتناثرت أشلاء دماغه على كتفه الأيمن، فهرع إخوانه إليه وأخذوا ما تناثر من الأشلاء وضموها إلى مكانها ثم ربطوا مكان إصابته وتركوه، وقد تعافى بعدها بأيام، وهو حي الآن ما به من بأس إلا أن لسانه صار به بعض الثقل، نسأل الله أن يتقبل منه ومن إخوانه.
وأما عن روائح المسك.. وما أدراك ما روائح المسك؟! فقد أبصحت من قبيل النقل المتواتر عند جمهور المجاهدين، فقد حدث الكثير من إخواننا عن الروائح الطيبة التي تنبعث من الشهداء والجرحى تقبلهم الله جميعًا.
ومن ذلك ما جرى للأخ البطل أبي طلحة البيحاني؛ فقد أصيب رحمه الله إصابة بليغة وجعلت رائحته الطيبة تفوح في كل مكان، حتى انتشرت ببعض الطرقات واشتمها كثير من الإخوة ثم قضى شهيدًا - نحسبه والله حسيبه ولا نزكيه على الله -
ومما يبعث على الثبات والطمأنينة؛ ما رواه كثير ممن حضر تلك الملحمة من أنهم سمعوا صهيل الخيول وصليل السيوف تشتبك عند احتدام المعارك واشتدادها، فتعجب الإخوة من ذلك مرارًا، وراحوا يسألون إخوانهم الأنصار إن كان هناك خيول قريبة من الفلوجة، فجزم الأنصار بالنفي وأكدوا أن المنطقة لا يوجد فيها مثل هذه الخيول، فلله الحمد أولًا وآخرًا.
روى أحمد في المسند والحاكم في المستدرك عن أبي بردة بن قيس أخي أبي موسى قال: قال رسول الله عليه وسلم: (اللهم اجعل فناء أمتي قتلًا في سبيلك بالطعن والطاعون) .