وقال ابن كثير: قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء ، فيجدون أكثر منهم وأعز ، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز ، فنهوا عن ذلك .
فقوله - سبحانه - { وَلاَ تتخذوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ } تصريح بالنهى عن اتخاذ الإِيمان من أجل الغش والخديعة ، بعد النهى عن نقض العهود بصفة عامة . أى: ولا تتخذوا - أيها المؤمنون - الحلف بالله - تعالى - ذريعة إلى غش الناس وخداعهم واستلاب حقوقهم ، فقد جرت عادة الناس أن يطمئنوا إلى صدق من يقسم بالله - تعالى - ، فلا تجعلوا هذا الاطمئنان وسيلة للكذب عليهم ، ولإِفساد ما بينكم وبينهم من مودة .
ثم رتب - سبحانه - على هذا النهى ما من شأنه أن يردع النفوس عن اتخاذ الأيمان دخلا فقال: { فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا } وأصل الزلل الخروج عن الطريق السليم . يقال: زل فلان يزل زللا وزلولا ، إذا دحضت قدمه ولم تصب موضعها الصحيح أى: لا تتخذوا أيمانكم وسيلة للخديعة والإِفساد بين الناس ، فتزل أقدامكم عن طريق الإِسلام بعد ثبوتها عليها ، ورسوخها فيها ، قالوا: والجملة الكريمة مثل يُضْرَب لكل من وقع في بلية ومحنة ، بعد أن كان في عافية ونعمة .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم وحدت القدم ونكرت؟ قلت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق . بعد أن ثبتت عليه ، فكيف بأقدام كثيرة؟ .
وقوله { وَتَذُوقُواْ السواء بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ الله } بيان لما يصيبهم من عذاب دنيوى بسبب اتخاذ أيمانهم دخلا بينهم . أى: وتذوقوا السوء وهو العذاب الدنيوى من المصائب والخوف والجوع ، بسبب صدودكم وإعراضكم عن أوامر الله ونواهيه ، أو بسبب صدكم لغيركم عن الدخول في دين الله ، حيث رأى منكم ما يجعله ينفر منكم ومن دينكم .
والتعبير بتذوقوا فيه إشارة إلى أن العذاب الدنيوى الذى سينزل بهم بسبب اتخاذهم أيمانهم دخلا بينهم ، سيكون عذابا شديدا يحسون آلامه إحساسا واضحا ، كما يحس الشارب للشئ المر مرارته ، ويتذوق آلامه .
قال ابن كثير: حذر الله - تعالى - عباده عن اتخاذ الأيمان دخلا ، أى: خديعة ومكرا ، لئلا تزل قدم بعد ثبوتها؛ مثل لمن كان على الاستقامة وحاد عنها ، وزل عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة ، المشتملة على الصد عن سبيل الله ، لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غدر به ، لم يبق له وثوق بالدين ، فانصد بسببه عن الدخول في الإِسلام .
وقال الطاهر بن عاشور (1) :
تشنيع لحال الذين ينقضون العهد .
وعطف على جملة { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } [ سورة النحل: 91 ] . واعتمد العطف على المغايرة في المعنى بين الجملتين لما في هذه الثانية من التمثيل وإن كانت من جهة الموقع كالتوكيد لجملة { ولا تنقضوا الأيمان } . نُهوا عن أن يكونوا مَضْرِب مثل معروف في العرب بالاستهزاء ، وهو المرأة التي تَنقض غزلها بعد شَدّ فتله . فالتي نقضت غزلها امرأةٌ اسمها رَيطة بنت سعد التيمية من بني تيم من قريش . وعُبّر عنها بطريق الموصولية لاشتهارها بمضمون الصّلة ولأن مضمون الصّلة ، هو الحالة المشبّه بها في هذا التمثيل ، ولأن القرآن لم يذكر فيه بالاسم العلم إلا من اشتهر بأمر عظيم مثل جالوت وقارون .
وقد ذُكر من قصّتها أنها كانت امرأة خرقاء مختلّة العقل ، ولها جوارٍ ، وقد اتّخذت مِغْزلًا قدر ذراع وصِنّارَة مثل أصبع وَفَلْكَةً عظيمة على قدر ذلك ، فكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فتنقض ما غزلته ، وهكذا تفعل كل يوم ، فكان حالها إفساد ما كان نافعًا محكمًا من عملها وإرجاعه إلى عدم الصلاح ، فنهوا عن أن يكون حالهم كحالها في نقضهم عهد الله وهو عهد الإيمان بالرجوع إلى الكفر وأعمال الجاهلية . ووجه الشّبه الرجوع إلى فساد بعد التلبّس بصلاح .
والغزل: هنا مصدر بمعنى المفعول ، أي المغزول ، لأنه الذي يقبل النقض . والغَزل: فتل نتف من الصوف أو الشعر لتُجعل خيوطًا محكمة اتصال الأجزاء بواسطة إدارة آلة الغَزل بحيث تلتفّ النتف المفتولة باليد فتصير خيطًا غليظًا طويلًا بقدر الحاجة ليكون سَدًى أو لُحْمَة للنسج .
والقوة: إحكام الغزل ، أي نقضته مع كونه محكم الفتل لا موجب لنقضه ، فإنه لو كان فتله غير محكم لكان عذرٌ لنقضه .
والأنكاث بفتح الهمزة: جمع نِكْث بكسر النّون وسكون الكاف أي منكوث ، أي منقوض ، ونظيره نِقض وأنقاض . والمراد بصيغة الجمع أن ما كان غزلًا واحدًا جعلتْه منقوضًا ، أي خيوطًا عديدة . وذلك بأن صيّرته إلى الحالة التي كان عليها قبل الغزل وهي كونه خيوطًا ذات عدد .
وانتصب { أنكاثًا } على الحال من { غزلها } ، أي نقضته فإذا هو أنكاث .
وجملة { تتخذون أيمانكم } حال من ضمير { ولا تنقضوا الأيمان } [ سورة النحل: 91 ] .
(1) - التحرير والتنوير - (ج 8 / ص 118)