وبعدُ عبادَ الله، فلا يُظنّ ممّا سبق أنّ المرضَ مطلَب منشود، لا وكلاّ، فإنّه لا ينبغي للمؤمن الغرّ أن يتمنّى البلاء، ولا أن يسألَ الله أن ينزلَ به المرض، فلقد قال رسول الله: (( سلوا اللهَ العفوَ والعافية، فإنّ أحدًا لم يعطَ بعد اليقين خيرًا من العافية ) )رواه النسائي وابن ماجه (12) [12] . وقال مطرّف:"لأن أُعافى فأشكُر أحبُّ إليّ من أن أبتلى فأصبر" (13) [13] .
ومِن هنا نعلمُ جيّدًا أنّ المرض ليس مقصودًا لذاته، وإنّما لما يفضي إليه من الصّبر والاحتساب وحُسن المثوبة وحمدِ المنعم على كلّ حال، يقول شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله:"المصائبُ التي تجري بلا اختيار العبدِ كالمرض وموتِ العزيز عليه وأخذِ اللصوص مالَه إنّما يثاب على الصّبر عليها لا على نفسِ ما يحدث مِن المصيبة، لكنّ المصيبةَ يكفَّر بها خطاياه، فإنّ الثواب إنّما يكون على الأعمالِ الاختيارية وما يتولّد عنها"انتهى كلامه (14) [14] .
ومِن هذا المنطلَق ـ عباد الله ـ اجتمع الكافر والمسلم والبرُّ والفاجر في مصيبة المرض على حدّ سواء، وافترقا في الثمرةِ والعاقبة، ولا يسوّي بينهما في ذلك إلا أليغ (15) [15] أرعن واقع فيما قال ابن مسعود رضي الله عنه: (إنّكم ترونَ الكافرَ من أصحِّ الناس جسمًا وأمرضهم قلبًا، وتلقون المؤمن من أصحِّ النّاس قلبًا وأمرضِهم جسمًا، وايْمُ الله لو مرضَت قلوبُكم وصحَّت أجسامكم لكنتم أهونَ على الله مِن الجعلان) (16) [16] . ودخل سلمان الفارسيّ رضي الله عنه على مريضٍ يعوده فقال له: (أبشِر فإنّ مرضَ المؤمن يجعله الله له كفّارة ومستعتبًا، وإنّ مرضَ الفاجر كالبعير عقله أهلُه ثمّ أرسلوه، فلا يدري لم عُقل ولم أرسِل) (17) [17] .
عبادَ الله، إنّ الإسلامَ حينما يرغّب في الصبر على البلوى ويبيّن ما تنطوي عليه الأسقام من آثارٍ شافية وحكمٍ كافية فلا يفهم مخطِئ أنّه يمجّد الآلام ويكرِّم الأوجاعَ والأوصاب، إنّما يحمَد الإسلام لأهلِ البلوى وأصحابِ الأسقام رباطةَ جأشِهم وحسنَ يقينهم، مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا [النساء:147] .
اشتكى عروة بنُ الزّبير الآكلةَ في رِجله، فقطعوها من ركبته وهو صامِت لم يأنّ، وفي ليلته تلك سقَط ولدٌ له مِن سطحٍ فمات، فقال عروة:"اللهمّ لك الحمد، كانوا سبعةً مِن الولد فأخذتَ واحدًا وأبقيتَ ستّة، وكان لي أطرافٌ أربعة فأخذتَ واحدًا وأبقيتَ ثلاثًا، فإن كنتَ قد أخذتَ فلقد أعطيتَ، ولئن كنتَ قد ابتليتَ لقد عافيتَ" (18) [18] ، فرحمَ الله عروة وغفر له، فلقد كان بعضُ المرض عندَه أهونَ من بعض، وبلاؤه أهونَ من بلاء غيره، فهان عليه مرضه، وهانت عليه بلواه، وهذا هو ديدنُ المؤمن، ينظر بعين بصيرته، فيحمد الله على أمرين: أوّلهما دفعُ ما كان يمكن أن يحدثَ من هُنيزةٍ (19) [19] أكبر حيث علِم أنّ في الزّوايا خبايًا، وفي البَرايا رزايا، وثانيهما بقاءُ ما كان يمكِن أن يزولَ من صحّةٍ غامرة وفضلٍ جزيل، فهو ينظر إلى النّعمة الموجودة قبلَ أن ينظرَ إلى النّعمة المفقودة.
عباد الله، إنّ الأسقامَ إذا استحكمَت وتعقّدت حبالُها وترادفت حلقاتُها وطال ليلُها فالصّبر وحدَه هو العاصِم بأمر الله مِن الجزع عند الرّيَب، وهو الهداية الواقية من القنوط عند الكُرَب. فلا يرتاع المؤمن لغَيمة تظهر في الأفق ولو تبِعتها أخرى وثالثة، بيد أنّ الإنسان إبّان لَهيعته (20) [20] يتجاهل الحقائقَ، فيُدهَش للصّعاب إذا لاقته، فيُنشِئ له مِن طبعه الجزوع ما يبغِّض إليه الصبرَ، ويجعله في حلقه مرَّ المذاق، فيتنَجنَج (21) [21] ويضيق ويحاوِل أن يخرجَ من حالته على نَكَظ (22) [22] ، فينسى قولَ خالقِه: خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ ءايَاتِى فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ [الأنبياء:37] .