المسألة الرابعة: في سبب نزول هذه الآية ثلاثة أقوال: الأول: وهو قول أكثر المفسرين أنها نزلت في يوم بدر . والمراد أنه عليه السلام أخذ قبضة من الحصباء ، ورمى بها وجوه القوم وقال شاهت الوجوه ، فلم يبق مشرك إلا ودخل في عينيه ومنخريه منها شيء ، فكانت تلك الرمية سببًا للهزيمة ، وفيه نزلت هذه الآية . والثاني: أنها نزلت يوم خيبر روي أنه عليه السلام أخذ قوسًا وهو على باب خيبر . فرمى سهمًا . فأقبل السهم حتى قتل ابن أبي الحقيق ، وهو على فرسه ، فنزلت { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى } والثالث: أنها نزلت في يوم أحد في قتل أبي بن خلف ، وذلك أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم وقال يا محمد من يحيى هذا وهو رميم؟ فقال عليه السلام يحييه الله ثم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك النار فأسر يوم بدر ، فلما افتدى . قال لرسول الله إن عندي فرسًا أعتلفها كل يوم فرقًا من ذرة ، كي أقتلك عليها . فقال صلى الله عليه وسلم:"بل أنا أقتلك إن شاء الله"فلما كان يوم أحد أقبل أبي يركض على ذلك الفرس حتى دنا من الرسول عليه الصلاة والسلام فاعترض له رجال من المسلمين ليقتلوه . فقال عليه السلام: «استأخروا» ورماه بحربة فكسر ضلعًا من أضلاعه ، فحمل فمات ببعض الطريق ففي ذلك نزلت الآية والأصح أن هذه الآية نزلت في يوم بدر ، وإلا لدخل في أثناء القصة كلام أجنبي عنها ، وذلك لا يليق بل لا يبعد أن يدخل تحته سائر الوقائع ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
أما قوله تعالى: { وَلِيُبْلِىَ المؤمنين مِنْهُ بَلاء حَسَنًا } فهذا معطوف على قوله: { ولكن الله رمى } والمراد من هذا البلاء الأنعام ، أي ينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصرة والغنيمة والأجر والثواب ، قال القاضي: ولولا أن المفسرين اتفقوا على حمل الابتلاء ههنا على النعمة ، وإلا لكان يحتمل المحنة بالتكليف فيما بعده من الجهاد ، حتى يقال: إن الذي فعله تعالى يوم بدر ، كان السبب في حصول تكليف شاق عليهم فيما بعد ذلك من الغزوات .
ثم إنه تعالى ختم هذا بقوله: { إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } أي سميع لكلامكم عليم بأحوال قلوبكم ، وهذا يجري مجرى التحذير والترهيب ، لئلا يغتر العبد بظواهر الأمور ، ويعلم أن الخالق تعالى مطلع على كل ما في الضمائر والقلوب .
وفي التفسير الوسيط (1) :
قال القرطبى: قوله - تعالى -: { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن الله قَتَلَهُمْ } ، أى يوم بدر . روى أن أصحاب رسلو الله - صلى الله عليه وسلم لما صدروا عن بدر .
ذكر كل واحد منهم ما فعل فقال: قتلت كذا ، وأسرت كذا ، فجاء من ذلك تفاخر ونحو ذلك . فنزلت الآية إعلاما بأن الله هو المميت والمقدر لجميع الأشياء ، وأن العبد إنما يشارك بكسبه وقصده . .
وقال ابن كثير: قال على بن طلحة عن ابن عباس:"رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم - ، يديه - يعنى يوم بدر - فقال:"يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا ، فقال جبريل:"خذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم"فأخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم"، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين ."
وقال السدى:"قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلى يوم بدر"أعطنى حصا من الأرض"فناوله حصا عليه تراب ، فرمى به في وجوه القوم"، فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه من ذلك التراب شئ ، ثم ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم ، وأنزل الله: { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن الله قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى } .
وقال أبو معشر المدنى"عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظى قالا: لما دنا القوم بعضهم من بعض أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبضه من تراب فرمى بها في جوه القوم وقال:"شاهت الوجوه"، فدخلت في أعينهم كلهم . وأقبل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنزل الله ."
{ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى } .
وهناك روايات أخرى ذكرت أن قوله - تعالى - { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى } المقصود به رميه - صلى الله عليه وسلم - لأبى بن خلف يوم أحد ، أو رميه لكنانة بن أبى الحقيق في غزوة خيبر ، أو رميه المشركين في غزوة حنين .
قال ابن كثير: وقد روى في هذه القصة عن عروة ومجاهد وعكرمة وقتادة وغير واحد من الأئمة أنها نزلت في رمية النبى - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر . . وسياق الآية في سورة الأنفال في قصة بدر لا محالة ، وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم .
والمعنى: إنكم - أيها المؤمنون - لم تقتلوا المشركين في بدر بقوتكم وشجاعتكم ، ولكن الله - تعالى - هو الذى أفظركم بحوله وقوته ، بأن خذلهم ، وقذف في قلوبهم الرعب ، وقوى قلوبكم ، وأمدك بالملائكة ، ومنحكم من معونته ورعايته ما بلغكم هذا النصر .
(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 1795)