المطلب الأول: بداية زمن الإمساك
يبدأ زمن الإمساك عن المفطِّرات من دخول الفجر الثاني [1] ، وذهب إلى هذا عامة أهل العلم [2] .
الأدلة:
أولًا: من الكتاب:
قوله تعالى: فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187]
وقد فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَد بقوله: (( إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار ) ). أخرجه البخاري ومسلم [3] .
وعن سهل بن سعدٍ رضي الله عنه قال: (( أنزلت وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ ولم ينزل مِنَ الْفَجْرِ، فكان رجالٌ إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعدُ مِنَ الْفَجْرِ فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار ) ). أخرجه البخاري ومسلم [4] .
والمراد هنا بالخيط الأبيض هو: المعترض في الأفق، لا الذي هو كذَنَب السرحان - الذي يكون عموديًا في السماء - فإنه الفجر الكاذب، الذي لا يُحلُّ شيئًا، ولا يُحرِّمه.
والمراد بالخيط الأسود: سواد الليل.
والتبيُّن: أن يمتاز أحدهما عن الآخر، وذلك لا يكون إلا عند دخول وقت الفجر [5] .
ثانيًا: من السنة:
1 -عن عائشة رضي الله عنها أن بلالًا كان يؤذِّن بليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( كلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابن أم مكتوم؛ فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر ) ). أخرجه البخاري ومسلم [6] .
2 -عن جابرٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الفجر فجران: فأما الفجر الذي يكون كذنب السرحان فلا يحل الصلاة ولا يحرم الطعام، وأما الفجر الذي يذهب مستطيلا في الأفق فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام ) ) [7] .
(1) الفجر فجران: فجر صادق، وفجر كاذب. وهناك فروق بينهما، وهي: 1 - الفجر الكاذب: يكون مستطيلًا في السماء، ليس عرضًا ولكن طولًا، وأما الفجر الصادق: فيكون عرضًا، يمتد من الشمال إلى الجنوب. 2 - الفجر الصادق: لا ظلمة بعده بل يزداد فيه الضياء حتى تطلع الشمس، وأما الفجر الكاذب: فإنه يحدث بعد ضيائه ظلمة؛ ولهذا سمي كاذبًا؛ لأنه يضمحل ويزول. 3 - الفجر الصادق: متصل بالأفق، أما الفجر الكاذب: فبينه وبين الأفق ظلمة. (( لقاء الباب المفتوح لابن عثيمين ) ) (اللقاء الثاني والستون/ ص34) .
(2) قال ابن قدامة: (والصوم المشروع هو الإمساك عن المفطرات، من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، روي معنى ذلك عن عمر، وابن عباس، وبه قال عطاء، وعوام أهل العلم) (( المغني ) ) (3/ 4) . وقد حكاه بعضهم إجماعًا، واعتبروا خلاف هذا القول شذوذًا. قال ابن عبد البر: (والنهار الذي يجب صيامه: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، على هذا إجماع علماء المسلمين فلا وجه للكلام فيه) (( التمهيد ) ) (10/ 62) .
(3) رواه البخاري (1916) ، ومسلم (1090) .
(4) رواه البخاري (1917) ، ومسلم (1091) .
(5) (( فتح القدير للشوكاني ) ) (1/ 186) .
(6) رواه البخاري (1918) ، ومسلم (1092) .
(7) رواه الحاكم (1/ 304) ، والبيهقي (1/ 377) (1642) . قال الحاكم: إسناده صحيح، وقال البيهقي: هكذا روي بهذا الإسناد موصولًا وروي مرسلًا وهو أصح، وصححه محمد جار الله في (( النوافح العطرة ) ) (218) ، والألباني في (( صحيح الجامع ) ) (4278) .