اختلف أهلُ العلم في مشروعية النيابة في حج النفل على أقوال، أرجحها:
القول الأول: لا تجوز الاستنابة في حج النفل إلا عن الميت والحي المعضوب [1] ، وهذا مذهب الشافعية على الأصح [2] ، وهو رواية عن أحمد [3] ، واختاره الشنقيطي [4] ، وابن باز [5] .
الأدلة:
أولًا: من السنة:
عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( أنه جاءته امرأة من خثعم تستفتيه، قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج، أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم ) ) [6] [7] .
عن ابن عباس رضي الله عنهما: (( أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء ) ) [8] [9] .
وجه الدلالة من الحديثين:
أن النيابة في الحج إنما شرعت للميت أو العاجز عن الحج، فما ثبت في الفرض ثبت في النفل [10] .
ثانيًا: أنه يتوسع في النفل ما لا يتوسع في الفرض، فإذا جازت النيابة في الفرض فلأن تجوز في النفل أولى [11] .
ثالثًا: أنها حجة لا تلزمه بنفسه، فجاز أن يستنيب فيها [12] .
رابعًا: أن حج النفل لم يجب عليه ببدنه ولا بماله، فإذا كان له تركهما كان له أن يتحمل إحداهما تقربًا إلى ربه عز وجل [13] .
خامسًا: أن النفل كالفرض، فلم يجز أن يستنيب فيه القادر على الحج بنفسه [14] .
القول الثاني: عدم الجواز مطلقًا، وهذا قولٌ للمالكية [15] ، وقول عند الشافعية [16] ، واختاره ابن عثيمين [17] .
وذلك لأنه إنما جاز الاستنابة في الفرض للضرورة، ولا ضرورة في غيره، فلم تجز الاستنابة فيه، كالصحيح [18] .
(1) المعضوب: وهو من كان عاجزا عجزا لا يرجى زواله، وأصله الزمن الذي لا حراك به؛ كأنه قطع عن كمال الحركة والتصرف ويقال له أيضا: المعصوب؛ كأنه قطع عصبه أو ضرب عصبه. النهاية في غريب الحديث والأثر (مادة: عضب) ، (( المجموع ) )للنووي (7/ 93، 94) .
(2) لكن قيدوا الحج عن الميت بأن يكون قد أوصى بذلك. (( المجموع ) )للنووي (7/ 114) ، (( نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ) ) (3/ 254) .
(3) (( المغني ) )لابن قدامة (3/ 224) ، (( الإنصاف ) ) (3/ 296) . والمذهب عند الحنابلة الجواز مطلقًا، ينظر: (( كشاف القناع ) )للبهوتي (2/ 397) ، وذهب إلى ذلك الحنفية، ينظر: (( فتح القدير ) )للكمال ابن الهمام (3/ 146) .
(4) قال الشنقيطي: (( الأحاديث التي ذكرنا تدل قطعا على مشروعية الحج عن المعضوب والميت ) ) (( أضواء البيان ) ) (4/ 327) .
(5) (( مجموع فتاوى ابن باز ) ) (16/ 405) .
(6) رواه البخاري (1513) ، ومسلم (1334)
(7) قال ابن حزم: (هذه أخبار متظاهرة متواترة من طرق صحاح، عن خمسة من الصحابة، رضي الله عنهم، الفضل, وعبدالله, وعبيد الله بن العباس بن عبدالمطلب، وابن الزبير, وأبو رزين العقيلي) (( المحلى ) ) (7/ 57) .
(8) رواه مسلم (1852)
(9) قال ابن حزم: (فهذه آثار في غاية الصحة لا يسع أحد الخروج عنها) (( المحلى ) ) (7/ 63) .
(10) (( مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ) ) (17/ 275) .
(11) (( الموسوعة الفقهية الكويتية ) ) (17/ 77) .
(12) (( المغني ) )لابن قدامة (3/ 224) .
(13) (( فتح القدير ) )للكمال ابن الهمام (3/ 146) .
(14) (( المغني ) )لابن قدامة (3/ 224) .
(15) (( مواهب الجليل ) )لحطاب (4/ 3) ، (( الشرح الكبير ) )للشيخ الدردير و (( حاشية الدسوقي ) ) (2/ 18) . ومذهب المالكية الكراهة، ينظر: (( مواهب الجليل ) )لحطاب (4/ 3)
(16) (( المجموع ) )للنووي (7/ 114) .
(17) قال ابن عثيمين: (الأقرب للصواب بلا شك عندي أن الاستنابة في النفل لا تصح لا للعاجز ولا للقادر) (( مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ) ) (21/ 141) . وقال أيضًا: (أما الاستنابة في النفل ففي ذلك روايتان عن الإمام أحمد رحمه الله إحداهما: أن ذلك جائز، والثانية: أن ذلك ليس بجائز، وفرق بينها وبين الفريضة، بأن الفريضة لابد من فعلها: إما بنفس الإنسان أو بنائبه، وأما النافلة فلا، فتهاون الناس الآن في النيابة في الحج أمر ليس من عادة السلف) (( مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ) ) (21/ 142) .
(18) (( المجموع ) )للنووي (7/ 114) .