القول الثاني: يقصر أهل مكة، وهذا مذهب المالكية [1] ، وقولٌ للشافعية [2] ، ورواية عن أحمد [3] ، وبه قال طائفة من السلف [4] ، واختاره أبو الخطاب [5] ، وابن تيمية [6] ، وابن القيم [7] ، والشنقيطي [8] ،
(1) قال مالك: (يصلي أهل مكة ومنى بعرفة ركعتين ركعتين ما أقاموا يقصرون بالصلاة حتى يرجعوا إلى أهليهم وأمير الحاج أيضًا كذلك إذا كان من أهل مكة قصر الصلاة بعرفة وأيام منى قال وعلى ذلك الأمر عندنا) . (( التمهيد ) )لابن عبدالبر (10/ 13) . والضابط عند المالكية: أن الحاج يقصر حتى أهل مكة، إلا أهل كل موضع كأهل عرفة في عرفة، وأهل المزدلفة في المزدلفة وأهل منى في منى فإن هؤلاء فقط يتمون لأنهم في أهليهم، وذكروا أن القصر لغيرهم إنما هو للسنة، وإلا فهو ليس بمسافة قصر في حق المكي وأهل المزدلفة ونحوهم. (( التمهيد ) )لابن عبدالبر (10/ 13، 14) ، (( مواهب الجليل ) )للحطاب (4/ 170، 171) ، (( حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ) ) (1/ 539) .
(2) (( المجموع ) )للنووي (4/ 371) . (( روضة الطالبين ) )للنووي (1/ 396) .
(3) (( زاد المعاد في هدي خير العباد ) )ابن القيم (1/ 481) .
(4) منهم: القاسم بن محمد، وسالم، والأوزاعي. (( المغني ) )لابن قدامة (3/ 367) ، (( أضواء البيان ) )للشنقيطي (4/ 439) .
(5) (( زاد المعاد في هدي خير العباد ) )ابن القيم (1/ 481) .
(6) قال ابن تيمية: (أما القصر فلا ريب أنه من خصائص السفر ولا تعلق لا بالنسك ولا مسوغ لقصر أهل مكة بعرفة وغيرها إلا أنهم بسفر وعرفة عن المسجد بريد كما ذكره الذين مسحوا ذلك وذكره الأزرقي في(( أخبار مكة ) )، فهذا قصر في سفر قدره بريد وهم لما رجعوا إلى منى كانوا في الرجوع من السفر, وإنما كان غاية قصدهم بريدًا, وأي فرق بين سفر أهل مكة إلى عرفة وبين سفر سائر المسلمين إلى قدر ذلك من بلادهم, والله لم يرخص في الصلاة ركعتين إلا لمسافر فعلم أنهم كانوا مسافرين). مجموع الفتاوى (24/ 47) ، وانظر: زاد المعاد في هدي خير العباد (1/ 481) .
(7) قال ابن القيم: (فلما أتمها - يعني الخطبة - يوم عرفة، أمر بلالًا فأذن، ثم أقام فصلى الظهر ركعتين أسر فيهما بالقراءة وكان يوم الجمعة، فدل على أن المسافر لا يصلي جمعة، ثم أقام، فصلى العصر ركعتين أيضًا، ومعه أهل مكة وصلوا بصلاته قصرًا وجمعًا بلا ريب، ولم يأمرهم بالإتمام، ولا بترك الجمع، ومن قال إنه قال لهم:(( أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ) )، فقد غلط عليه غلطا بينًا، ووهم وهمًا قبيحًا، وإنما قال لهم ذلك في غزاة الفتح بجوف مكة، حيث كانوا في ديارهم مقيمين، ولهذا كان أصح أقوال العلماء أن أهل مكة يقصرون، ويجمعون بعرفة، كما فعلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذا أوضح دليل على أن سفر القصر لا يتحدد بمسافة معلومة، ولا بأيام معلومة، ولا تأثير للنسك في قصر الصلاة البتة، وإنما التأثير لما جعله الله سببا، وهو السفر. هذا مقتضى السنة ولا وجه لما ذهب إليه المحددون). (( زاد المعاد في هدي خير العباد ) )لابن القيم (2/ 234) .
(8) قال الشنقيطي: (أظهر قولي أهل العلم عندي: أن جميع الحجاج يجمعون الظهر والعصر، ويقصرون، وكذلك في جمع التأخير في مزدلفة يقصرون العشاء، وأن أهل مكة وغيرهم في ذلك سواء، وأن حديث:(( أتموا فإنا قوم سفر ) )، إنما قاله لهم النبي صلى الله عليه وسلم في مكة لا في عرفة ولا في مزدلفة). (( أضواء البيان ) )للشنقيطي (4/ 439) ..