فلما أراد الدخول إلى البلد، رفعت الينكچرية سيوفهم ومكاحلهم والعسكر رماحهم، وشبكوا بعضها ببعض، وقالوا: «فليعبر السلطان من تحت سيوفنا ورماحنا حتى يكون من تحت أيدينا!» . فعرف السلطان قصدهم، [فأنف السلطان سليم] [1] ، وما اختار ذلك لشهامة نفسه، ودخل البلد من باب آخر على حين غفلة من أهلها، واجتاز من وسط يكي باغجه حتى دخل دار السعادة، ولم يشعر بذلك أحد من العسكر إلا بعد أن وصل إلى مقر الخلافة. ثم وعدهم بخير كثير وطيب خواطرهم، فتفرقوا ودخل على أبيه وسلم عليه وقبّل يديه، فعند ذلك دعا له أبوه بالخير، وقلّده الأمر وأوصاه بأشياء تليق بالسلطنة. ثم أمر من يومه بتجهيز أسباب السفر له للإقامة بمدينة ديمه توقه بمعرفة ابنه وإجازة منه له، وكلما تضرع ولده سليم خان في الإقامة معه لم يفد [2] ، وقال: «السيفان لا يجتمعان في قراب واحد!» .
فلما كان السلطان بايزيد خان ببعض الطريق، رام أن يتوضأ لصلاة الظهر، فوضعوا له السم في الماء، فلما توضأ تساقط شعر لحيته، فحس بذلك، فقال:
«ردوني!» . فردوه. وتوفي قبل أن يصل إلى القسطنطينية، ودفن أمام مدرسته التي أنشأها بالمدينة المزبورة.
وكان رحمه الله ملكا جميلا، كبيرا، عالما، ورعا، مجاهدا، مرابطا. بنى المدارس والجوامع والجسور والقناطر، وفتح فتوحات جليلة. عاش سعيدا ومات شهيدا.
وكان له عدة أولاد، وصار لأولادهم أولاد، منهم: السلطان أحمد، والسلطان قورقود، والسلطان جهانشاه، والسلطان سليم، والسلطان محمود، والسلطان عبد الله، والسلطان علمشاه، فعيّن لأكبر أولاده السلطان أحمد مملكة أماسيا وما والاها، وكان يتوقع منه أن يكون ولي عهده، ويأبى الله إلا ما أراد،
(1) ما بين الحاصرتين من (ب) و (ج) .
(2) كذا في (ب) وفي (ج) : «لم يقدر» .