القيودان [1] أن يدور بسائر العمارة في وجه البحر، صيانة للعساكر من هجوم الكفار.
فلما حل أول الربيع، وقد تكاملت الأغربة والسفن، وشحنت بالرجال وأنواع السلاح، خرجوا في سنة ثمان وسبعين وتسعماية من فم الخليج القسطنطيني بأبهة هائلة وأهبة زايدة. فلما وصلوا إلى الجزيرة المذكورة، خرجوا من طرف مملحتها، فخيّم العسكر هناك.
ثم استقرت الآراء على حصار قلعة لفقوسه أولا، إذ هي مدينتهم الكبرى وقاعدة مملكتهم، فحاصروها مدة شهر واحد ثم افتتحوها في أواسط ربيع الآخر من السنة المذكورة. ثم بعث الوزير المشار إليه، أحسن الله إليه، عدة رؤوس مقطوعة من عظماء أهل لفقوسه ورؤسائهم في أطباق من فضة إلى أهل قلعة كرينه. فلما شاهدوها خافوا وذلّوا، فطلبوا الأمان، وبعثوا بمفتاح القلعة، فتسلمها وصيّرها دار الإسلام، بعد أن كانت مقرا لأهل الشرك والأزلام.
ثم توجه الوزير المذكور، لا زال في عز وسرور، بعد ما مهد قواعد مدينة لفقوسه، وبنى ما خرب منها، إلى حصار قلعة ما غوصه، وهي من أمنع الحصون وأصعب المعاقل وأكرب المناهل، وهي في ساحل البحر الأبيض على صخرة صماء، حصنوها بشيء كثير من المدافع والمكاحل، وشحنوها بجماعة من أسود المحاربين، وقد أحدق بها خندق واسع عميق بأسوار عرضها [2] ماية ذراع وعشرة أذرع، وعمقها [3] تسعة وعشرون ذراعا، وقد ركبت في هذه القلعة سبعماية وأربعة وستون مدفعا كبيرا، والبنادق لا يعلم عددها إلا الله تعالى، فحاصرها العسكر / حصارا شديدا، وقاتلوا أهلها بالآلات النارية والأحجار المنجنيقية، وشقوا بطون الأرض شقا، وفتقوا قعورها فتقا، وجروا في عروقها جريا، وتصوبوا
(1) كذا في (ج) وفي (ب) : «القبوضان» .
(2) كذا في (ب) وفي (ج) : «بسور عرضه» .
(3) كذا في (ب) وفي (ج) : «وعمقه» .