إلى صوب الحصن هويا. فاتفق أن أقبل الشتاء واشتد البرد، ولم توجد هناك مرسى ترسي فيه عمارة السلطان، فعاد كاشف البحر إلى طرف الروم، وبقي العسكر صحبة الوزير هناك، لا يفترون الليل والنهار عن الحصار.
فلما انقضى زمن الشتاء وطاب الهواء، عاد كاشف البحر علي باشا بالمسير إلى طرف قبرس عونا للمسلمين، ومددا لمن هناك من الموحدين. فلما عاين الكفار [1] ذلك، وكانوا يرجون أن يصل إليهم مدد من بلاد الكفار [2] ، يئسوا [3] ، ونادوا بالأمان، فأمّن لهم الوزير المذكور، فبعثوا بمفاتيح القلعة، وطلبوا أن يمكّنوا من المسير إلى بلادهم، كما فعل بأشياعهم من قبل أهل ردوس، وكانوا نحو سبعة آلاف محارب، فأجاب الوزير، قبل الله سعيه المشكور، إلى ما اقترحوا عليه، فخرجوا من المدينة وخيّموا خارجها، فدخلها المسلمون ونصبوا فيها الأعلام الإسلامية، وعمّروا ما وهن وخرب، وشيّدوا بروجها وأحكموا حصونها.
وكان الوزير المذكور قاسى من صاحب هذه القلعة أمورا حقد عليه بذلك، فلم ير إطلاقه ومعه من المقاتلة والأسباب ما لا مزيد عليه، فأراد الاحتيال عليه، وكان قد عيّن لهم عشرين غرابا. فلما ركبوا في الأغربة، واستقروا فيها جميعا مع أموالهم وأرزاقهم، جاء أميرهم ليسلم على الوزير ويودعه، فأمر به الوزير، فقيد وقطع أذنيه في مجلسه، ثم غدر به فقتله أشر قتلة، ثم أمر بمن في المراكب فأخرجوا واستوسروا، واستولى على جميع ما معهم من الغنايم.
ثم سار بعمارة لنهب جزائر الكفار، فطلعوا على جزيرة كفالينه فنهبوها، وهدموا بنيانها، ثم إلى جزيرة كرمس [4] ، وهي مفتاح بلاد البنادقة، فحاصروها بعض أيام، وعاثوا فيها نهبا وتخريبا، ثم / فعلوا ذلك بعدة جزائر هناك.
(1) كذا في (ج) وفي (ب) : «العدو» .
(2) كذا وفي (ب) و (ج) : «الافرنج» .
(3) كذا في (ج) وفي (ب) : «فآيسوا» .
(4) كذا في (ب) وفي (ج) : «كورفس» .