على سرادق السلطان هجمة واحدة، ودخلوا إلى مخيمه بهمة ليست راقدة، حتى أن علجا [1] من الكفار دخل إلى المخيم، وركز رمحه فوق الخزينة، وعندها خيم، فرآه واحد من خواص السلطان، فثار إليه ثورة الأسد الغضبان، وضربه بالسيف فقده، وقطع بحده قده، وبعد ساعة أو ساعتين، نادى على الكفار منادي الحين، وسمعوا من هاتف الغيب كسر الكافرون من غير ريب [2] ، وتراجعت الوزراء وأكابر الأمراء، خوفا على وجود السلطان من أصحاب النيران، لأنهم سمعوا دخولهم إليه، وهجومهم عليه [3] . وفر غالب العسكر، ولم يلاحظوا فزع اليوم الأكبر، فقال المولى سعد الدين: «اثبت أيها الملك، فإنك منصور بعون مولاك الذي أعطاك، وبالنعم أولاك!» .
فركب السلطان جواده، وطلب من مولاه إسعافه وإسعاده، وتضرع إلى مولاه، بعد ما تحقق أن لا ناصر له سواه، فما مضت ساعة من النهار، إلا وقد هب نسيم الانتصار، وارتفع علم الإسلام، وانخف أعلام الكفر الرغام، ولولا لطف الله بهذه الدولة السعيدة، لتزلزلت قواعدها السديدة، ولكن ردها الله تعالى ردا جميلا، وما جعل عليها للكافرين سبيلا. ولعمري إنها دولة ترف ظلالها، ويظهر اعتدالها، لما فيها من اتباع الشرائع، التي هي إلى دخول الجنة أقوى الذرائع.
وكان السلطان، أعز أنصاره الرحمن، عزل إبراهيم باشا من الوزارة العظمى، وولى مكانه سنان باشا ابن جغال. فلما رجع إلى دار الملك قسطنطينية المحمية، أعاد الوزارة لإبراهيم باشا، وأعاده لمحاربة المجر. ففتح في تلك السنة حصن قنجه، واستقام حاله حتى أحبه العساكر محبة عظيمة، واستمر يجاهد في سبيل الله إلى أن توفاه الله، وولى مكانه حسن باشا الشهير باليمشجي
(1) جمعه علوج، يطلق على الجند من الإفرنج، ويعبر عنهم بالعلوج.
القلقشندي، صبح 5/ 138.
(2) الأصل: «بغير ريب» .
(3) الأصل: «وهجمهم» .