ولما بلغ دارا رشده عزلت جمانى نفسها، وتولى دارا بن بهمن الملك فضبطه بشجاعة وحسن سياسة. وكان صاحب العزيمة والفزع، وولد له ولد سماه دارا باسمه. وكانت مدة ملكه اثنتي عشرة سنة.
وتولى الملك بعده ابنه دارا بن دارا، وكان حقودا ظالما، فتنفّرت منه قلوب الخاصة والعامة. وفي زمنه تملك الاسكندر بن فيلقوس المشهور مملكة فارس، لأنه عرف بوحشة خواطر أصحاب دارا منه، فقصده بجيشه، فلحق الاسكندر، لما دنا من دارا، بعض من يختص بدارا، وشكوا عليه من دارا، وشجعوه عليه، وطال بينهما القتال.
وذكر الشيخ جمال الدين بن الجوزي في «شرح القصيدة العبدونية» أن الاسكندر ذا القرنين [1] قد منع دارا من حمل الجزية التي كانت تعطيها الملوك بزمانه، وكانت الملوك تحمل الجزية في كل سنة وتوديها إلى ملك فارس، وذلك ماية بيضة ذهبا، وزن كل بيضة ألف مثقال.
فلما أظهر الاسكندر منع ذلك، وهو أن يؤدي إلى ملوك فارس / ما كان غيره يحمله، فخرج دارا لقتاله، فالتقيا بنصيبين من بلاد الجزيرة، فاقتتلا سنة كاملة.
وكان دارا قد ملّه قومه وأحبوا الراحة منه، فلحق كثير منهم بالاسكندر وأطلعوه على عورته وقوّوه عليه، ثم وثب على دارا حاجباه فقتلاه، وتقربا برأسه إلى الاسكندر، فأمر الاسكندر بقتلهما، وقال: «هذا جزاء من يتجرأ على أستاذه!» .
وصار ملك دارا إلى الاسكندر بن فيلقوس اليوناني.
وفي «شرح رسالة ابن زيدون» أن الاسكندر لما امتنع من إرسال الأتاوة لدارا، بعث إليه بكرة وصولجان وخرقة فيها سمسم، وقال: «أنت صبي، فالعب بهذه الأكرة، فإن أديت الأتاوة، وإلا بعثت إليك بجنود عدد هذا السمسم، وأتيت بك في وثاق!» فكتب إليه الاسكندر: «أما بعد. فقد تيمنت بالأكرة والصولجان، فإن الدنيا مثل الأكرة وسألعب بها، وأضيف ملكك إلى ملكي، وأما السمسم فقد
(1) في الأصل و (ب) : «لما» وما أثبتناه من (ج) .