أهل الهند من الممالك النائية والبلدان القاصية، فيسمعون كلام أولئك الرجال المرتبين على هذا النهر، وما يقولون من تزهيدهم في هذا العالم والترغيب فيما سواه، فيطرحون أنفسهم من أعالى تلك الجبال العالية على تلك الأشجار العادية والسيوف والحديد المنصوبة، فيتقطعون قطعا، ويصيرون إلى هذا النهر أجزاء.
وما ذكرناه فمشهور عندهم، وأهل الهند تعذّب نفسها بأنواع العذاب، وقد تيقنت لما ينالها من النعيم في المستقبل، فيصير الواحد إلى باب الملك، فيستأذن في إحراقه لنفسه فيدور في الأسواق، وقد أجّجت له النار العظيمة، وعليها من قد وكل بما يقدها. ثم يسير في الأسواق وقدامه الطبول والصنوج، وعلى بدنه أنواع من خرق الحرير قد خرقها [1] على نفسه، وحوله أهله وقرابته، وقد سلخ جلد رأسه ووضع عليه اكليل من الريحان، وقد جعل على بدنه الكبريت والسندروس، وروايح دماغه تفوح، وهو يمضغ ورق الفلفل تجلدا، فإذا أشرف على النار، وقد صارت جمرا كالتل العظيم، أخذ الخنجر فوضعه على فؤاده فشقه، ثم أدخل يده الشمال فقبض على كبده فجذب منه قطعة وهو يتكلم، فقطعها بالخنجر ودفعها إلى بعض إخوانه، متهاونا بالموت ولذة بالنقلة، ثم هوى بنفسه في النار [2] .
وإذا مات ملك من ملوكهم أو قتل نفسه، أحرق خلق كثير من الناس أنفسهم لموته. وللهند أخبار كثيرة عجيبة تجزع من سماعها النفوس [3] .
(1) كذا في (ج) وفي (ب) : «مزقها» .
(2) كذا في (ج) وفي (ب) : «فإذا أشرف على النار، أهوى بنفسه فيها» .
(3) كذا في (ج) وفي (ب) : «تجزع من سماعها النفوس وتشمئز منها العقول» .