تزل على حالها إلى أن غلب عليها الريح فسفها، ويقال إن الإسكندر إنما عمل المنارة تشبيها بها.
وكان مصريم مؤمنا بالله تعالى، ومصدقا بنبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم، عاش بعد الطوفان سبعماية عام. فلم يعرض له فيها هم ولا سقم ولا هرم.
ولما أشرف على الموت عهد بالأمر لابنه قبطيم، يقال إن القبط منسوبون إليه، وهو أول من عمل العجايب، ويقال إنه لحق البلبلة، وخرج منها باللغة القبطية. وكانت مدة ملكه أربعماية وثمانين سنة.
فلما مات اغتمّ عليه بنوه، ودفن في سرب شرقي البلد، وحملوا معه جميع خزاينه، وزبروا عليه اسمه.
ثم ملك بعده ابنه الأكبر فقطريم، وكان جبارا عظيم الخلق، وهو الذي وضع الأهرام الدهشورية، وبنى مداين ومصانع عجيبة وحصل له من الكنوز ما لم يحصل لغيره. وكان يجد من الذهب مثل حجر الرحى، ومن الزبرجد كالأسطوانة في صحراء الغرب، فيعمل ما شاء من العجائب، ووجد هناك معدن زيبق فعمل منه بركة، فقيل إنها باقية إلى الآن. ويقال إن عاد هلك بالريح في آخر أيامه.
وفي زمانه أقام إبليس وأعوانه الأصنام التي كان الطوفان طمها وزيّنوا أمرها، ومن بعد الطوفان إلى زمانه لم يكن يشرك بالله تعالى أحد، وإنما كانوا مؤمنين موحّدين فيهم الحكماء والكهنة، ولم يكن اسم الكهنة عندهم عيبا، بل كان الكاهن كالحكيم الذي لا يعصى أمره.
ويقال إن فقطريم الملك بنى مداين وعمل فيها العجايب منها الماء القايم كالعمود لا ينحل ولا يذوب، والبركة التي تسمى قلسطين أي صيّادة الطير، لا يمر عليها طير إلا سقط فيها، والعمود من النحاس الذي يطرد الهوام عن دخول البلد بتصفير يصفر عليها، فترجع هاربة وغيرها. وكانت مدة ملكه أربعماية وثمانين سنة.