إلى رجل من قومها يقال له المنذر بن عمرو، ذو لب ورأي، وكتبت معه كتابا وقالت فيه: «إن كنت نبيّا مرسلا ميّز لنا بين الجواري والغلمان، واخبر بما في الحقة قبل أن تفتحها، واثقب الدرة من غير علاج أنس ولا جن!» . فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعا نحو سليمان، فأخبره بالخبر، فأمر سليمان أن يضربوا لبنات من الذهب والفضة، وأن يبسطوها من موضعه الذي هو فيه إلى سبعة فراسخ، وقيل ثمانية أميال في مثلها ميدانا. ثم أمر الجن فجاءوا بأحسن دواب البحر والبر فجعلوها عن يمينه وشماله، وأمرهم على أن يتركوا على طريقهم موضعا خاليا على قدر اللبنات التي معهم. وجلس سليمان، عليه السلام، في صدر الميدان، وحوله الأنس والجن والشياطين والطير تظلهم. قال:
فلما رأى الرسول الموضع الخالي من لبنات الذهب والفضة، خافوا أن يتهموا، فبسطوا ما معهم من / اللبنات في المكان الخالي، فجعلوا يمرون على عجايب المخلوقات من الأنس والجن وساير الحيوانات حتى وصلوا إلى سليمان، عليه السلام، وأعطاه كتاب الملكة بلقيس، فنظر فيه، فقال: «أين الحقة؟» . فجيء بها، فأخبره جبرئيل، عليه السلام، بما فيها، فأخبرهم قبل فتحها، فقال الرسول: «صدقت!» . ففتحها سليمان، عليه السلام، وأمر الإرضة فأخذت شعرة في فيها، وثقبت الدرة حتى خرجت من الجانب الآخر، وأمر دودة أخرى بيضاء، فأخذت خيطا بفيها، ودخلت في ثقب الجزعة المعوجة الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، ثم ميّز بين الجواري والغلمان، بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم، فكانت الجارية تأخذ الماء بإحدى يديها وتجعله في اليد الأخرى، ثم تضرب بها وجهها، والغلام كان يأخذ الماء بيديه، فيضرب به وجهه فميّز بين الجواري والغلمان. فلما تم ذلك ردّ الهدية ولم يقبلها، فرجع الرسول إلى بلقيس وأخبرها، فعلمت أنه نبي، ليس بملك، وما لها طاقة بمخالفته، فعزمت على القدوم عليه.
وأهدي إلى سليمان، عليه السلام، ثمانية أشياء متباينة في يوم واحد فيلة من ملك الهند، وجارية من ملك الترك بديعة الكمال، وفرس من ملك العرب
يضرب بحسنها المثل، وجوهرة من ملك الصين، واستبرق من ملك الروم، ودرة من ملك البحر، وجرادة من ملك النمل، وذرة من ملك البعوض.