ولما أمر الله تعالى داود ببناء المسجد الأقصى، كان يباشر العمل بنفسه
وينقل الحجارة على عاتقه، ومعه أحبار بني إسرائيل، فتوفي قبل أن يستتم بناءه، فأوصى ولده سليمان، عليه السلام، أن يتم بناءه.
وكان من أمر سليمان في بنائه ما ذكره صاحب «مثير الغرام» وغيره، أن الله تعالى أوحى إلى سليمان، عليه السلام، أن ابن لي مسجد بيت المقدس، وكان وقع غالب ما بناه داود، عليه السلام، فجمع حكماء الأنس والجن والعفاريت وعظماء الشياطين، وجعل منهم فريقا يبنون، وفريقا يقطعون الصخور والعمد من المعادن، وفريقا يغوصون في البحر، فيخرجون منه الدر والمرجان، مما هو مثل بيضة النعامة وبيضة الدجاجة، فيزينون به المسجد، وما دونها يضعونه بمنزلة الدبش في البناء، وفريقا يأتون بأنواع الجوهر من معادنه. وأنبت الله له شجرتين عند باب الرحمة، أحدهما تنبت الذهب والأخرى تنبت الفضة على صفة الرمان. وكان ينزع منهما في كل يوم مائتي رطل ذهبا ومثله فضة، فبناه لبنة من ذهب ولبنة من فضة.
فلما كمل بناؤه زيّنه بأنواع الزينة بحيث لا يمكن وصفه، ورتّب فيه عشرة آلاف من قراء بني إسرائيل، خمسة آلاف بالليل، وخمسة آلاف بالنهار حتى لا تأتي ساعة إلا ويعبد الله فيه [1] . وكان ارتفاع قبة الصخرة ثمانية عشر ميلا، وفوق القبة غزال من ذهب عيناه ياقوتتان حمراوان، وكانت تغزل نساء أهل البلقاء على ضوئها بالليل وهي [على] ثلاثة مراحل منها، فبناه في ثماني سنين.
ولم يزل مسجد بيت المقدس على هذه الهيئة العظيمة إلى أن دخل بخت نصر بيت المقدس في ستماية ألف راية، وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم، وأخرب بيت المقدس والمسجد، واحتمل منه ثمانمائة عجلة ذهبا وفضة وجوهرا، ونقله إلى مدينة رومه، وأمر جنوده أن يملأ كل واحد منهم ترسه ترابا ويقذفه في المدينة حتى محيت آثارها.
(1) كذا في (ب) وفي (ج) : «إلا ويعبدون الله تعالى فيه» .