قلت: و هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين , و عمرو هو ابن محمد بن بكير الناقد أبو عثمان البغدادي , ثقة حافظ , احتج به الشيخان و غيرهما . و قد أخرجاه و غيرهما , و هو مخرج في"الإرواء" (344) بلفظ:"إذا أمن الإمام فأمنوا , فإنه من وافق .."إلخ . و إنما أخرجته بلفظ الترجمة لما فيه من الزيادة , و هي قوله بعد (و لا الضالين) :"فأمن الإمام فأمنوا", فإنها صريحة بأمرين اثنين:
الأول: أن الإمام يؤمن بعد ختمه الفاتحة , و الآخر: أن المأموم يؤمن بعد فراغ الإمام من التأمين . و قد قيل في تفسير رواية الشيخين أقوال كثيرة ذكرها الحافظ في"الفتح" (2/218-219) , منها أن معنى قوله: إذا أمن , بلغ موضع التأمين , كما يقال: أنجد إذا بلغ نجدا , و إن لم يبلغها . قال ابن العربي:"هذا بعيد لغة و شرعا".
و قال ابن دقيق العيد:"و هذا مجاز , فإن وجد دليل يرجحه عمل به , و إلا فالأصل عدمه". قال الحافظ:"استدلوا له برواية أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: إذا قال الإمام: (و لا الضالين) فقولوا: (آمين) , قالوا: فالجمع بين الروايتين يقتضي حمل قوله: إذا أمن على المجاز".
وأقول: يمكن الجمع بطريقة أخرى , و هي أن يؤخذ بالزائد من الروايتين فيضم إلى الأخرى , و هو قوله في رواية سعيد:"إذا أمن الإمام فأمنوا", فتضم الزيادة إلى رواية أبي صالح فيصير الحديث هكذا:"إذا قال الإمام: (و لا الضالين) آمين , فقولوا آمين". و هذا الجمع أولى من الجمع المذكور , و ذلك لوجوه .
الأول: أنه مطابق لرواية أبي يعلى هذه , الصريحة بذلك .
الثاني: أنه موافق للقواعد الحديثية من وجوب الأخذ بالزيادة من الثقة .
الثالث: أنه يغنينا عن مخالفة الأصل الذي أشار إليه ابن دقيق العيد .
الرابع: أنه على وزن قوله صلى الله عليه وسلم:"إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده , فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد , فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه". أخرجه الشيخان و غيرهما من حديث أبي هريرة أيضا . و هو مخرج في"صحيح أبي داود" (794) . فكما أن هذا نص في أن المقتدي يقول التحميد بعد تسميع الإمام , فمثله إذا أمن فأمنوا , فهو نص على أن تأمين المقتدي بعد تأمين الإمام . الخامس: أنه هو الموافق لنظام الاقتداء بالإمام المستفاد من مثل قوله صلى الله عليه وسلم:"إنما جعل الإمام ليؤتم به , فإذا كبر كبروا [و لا تكبروا حتى يكبر] و إذا ركع فاركعوا و إذا قال سمع الله لمن حمده , فقولوا: ..."الحديث . أخرجه الشيخان و غيرهما من حديث عائشة و أبي هريرة و غيرهما , و هو مخرج في المصدر السابق (614و618) , و الزيادة لأبي داود . فكما دل الحديث أن من مقتضى الائتمام بالإمام عدم مقارنته بالتكبير , و ما ذكر معه , فمن ذلك عدم مقارنته بالتأمين . و إخراج التأمين من هذا النظام يحتاج إلى دليل صريح , و هو مفقود , إذ غاية ما عند المخالفين إنما هو حديث أبي صالح المتقدم , و ليس